مقالات رأي

إبراهيم إبراهيم- الكُرد وريادة ديمقراطية سوريا ..الحلفاء الديمقراطيين مستقبلاً

كانت انتفاضة 12 آذار 2004 بمثابة الثورة الأولى أو بداية ما يمكن أن نطلق عليه الربيع الكُردي في مواجهة إحدى أعتى الأنظمة الديكتاتورية في المنطقة،  والتي لم تفقد زخمها هي التي جعلت من الكرد “القوة شبه الوحيدة”، إن لم تكن الوحيدة المنظمة  والقادرة على المبادرة والتحرك حال حدوث تطور في البلاد باتجاه عملية التغيير المنشودة.  وهذا ما شهدناه وبات واقعاً بعد سنوات من بدء الحراك الشعبي في البـلاد آذار2011، لذلك كانوا الطرف الوحيد الذي صَمدَ رغم كل الهجمات والحصار الخانق الذي تعرضوا له، وأصبحوا بعد ذلك لاعباً أساسياً في المعادلة السورية، تتحالف معهم الولايات المتحدة الأميركية حالياً.

دخل الحراكُ الشعبي السوري في آذار/مارس الفائت عامه السـابع، الانتفاضة التي أخذت من تونسَ أساساً لها لبدايةٍ، أطلقت على نفسها اسم “الـربيع العربي” كنتيجة رد فعل طبيعي لم يعد يحتمل ممارسات  النظام السـوري والأنظمة المجاورة التي تقف بالضد من إرادة الشعوب و العصر ولا تستوفي أدنى شروط الديمقراطية  والحرية في القرن الـواحد والعشرين. القـوى الدولية متمثلةً بأبرز اللاعبين وهما “روسيا والولايات المتحدة الأميركية”،  حتى سنوات كانتا تبحثان ولا تزالان عن حليف محلي مقبول شعبياً، ولا تكون مصالحه وسياساته وتوجهه متضاربة مع مصالحهم، أي بما معناه تكون الخطوط الاستراتيجية العريضة متوافقة بين الطرفين. وفي سوريا وجد الطرفان ضالتهم في الكرد، وهم في تحالف حديث العهد معهم إلا أنه يترسخ بشكل سريع جداً.

التحالف الأميركي _الكُردي و التوافق الكُردي الروسي لم يأت بشكل مفاجئ و دون مقدمات،  فالمجريات التي شهدتها البلاد أجبرت الدول المذكورة  لا سيما الولايات المتحدة خاصة،  التي حاولت و لأكثر من عامين عبر تركيا ودول خليجية تدريب و تهيئة بعض قوات المعارضة لتقديمها على أساس “معتدلة ” كبديل يمثل الشعب الســوري.

هذا التحرك فشل قبل ولادته، لأن القوى التي اعتمدت عليها واشنطن، أقل ما يمكن تسميتها بها هي مشتقات تنظيم القاعدة الإرهابي،  فهذه القوى ذو الصبغة الإسلاموية الجهادية جاءت فارضة نفسها بجرائم شنيعة، من حيث أساليب القتل الوحشي، وعدم قبولهم لأي طائفة أو قومية أخرى في سوريا و دعواتهم المستمرة لعمليات الإبادة لمن لا يتفق معهم “يبايعهم ” أو يدفع ما يعرف بالجزية . مشروع تدريب مجموعات مُسلحة لتحتل مكانة القوى البديلة في سوريا فشلَ أيضاً، و أكبر دليل يمكننا ذكره هـو المشروع التركي الذي قامت فيه لتدريب مُعارضة كان من المقرر أن تكون معتدلة و اعتمدت واشطن في تدريبها و التضليل لها “هذه القوى التي يتم تدريبها معتدلة و تستطيع قيادة زمام الأمور لدى دخولها الأراضي السورية ” ولكن ما حصل هو العكس تماماً بعد تخريج عدداً من المقاتلين صُرف على تهيئتهم خمسُ مئة مليون دولار أمريكي،  لتنضم أغلبها إلى مشتقات القاعدة فور دخولهم الأراضي السورية

المعضلة الكبرى أساساً هي التدخل الإقليمي بشؤون البلاد عبر الوكلاء المحليين في الوقت الذي باتت فيه دول الغرب عاجزة عن طرح حل سياسي يحدّ من إراقة الدماء، خلق ضعف النظام و القوى التي نشأت باسم المعارضة المناخَ المناسب أكثر لظهور تنظيم داعش الإرهابي الذي استغل الأزمة السورية لفرض ذاته على المنطقة. ولادة التنظيم الإرهابي صبّ في مصلحة تركيا التي لطالما سعت من البداية لفرض نفسها، لا سيما في جغرافية معينة.

استخدمت تركيا ومنذ بداية الحراك الشعبي السوري  هذه المجموعات ضد الشعب الكردي في سوريا، عبر تنفيذ الهجمات بشكل مستمر سواء عبر الهجوم المباشر أو عن طريق السيارات المفخخة، ضرب المدن الكردية ودفع الكرد للهجرة. أبرز مثال يمكن أن يُذكر على ذلك هو الهجوم الذي نفذه تنظيم “داعش” الإرهابي على مدينة كوباني عام اَلفين و أربعة عشر وعبّر الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان حينها عن رضاه بالحصار الذي تعرضت له المدينة. الهجوم كان نقطة فاصلة حوّلت مسارَ الأحداث وغيرت التحالفات لا على المستوى الداخلي السوري فقط بل على المستوى الإقليمي والعالمي أيضاً. كان ميلاد التحالف الأمريكي – الكردي الذي نشهده اليوم في كوباني. بدأت التطورات عبرَ إلقاء القوات الأمريكية الأسلحة والذخيرة  لمجابهة تنظيم “داعش” في بضعة أحياء كانت لا تزال تحت سيطرة القوات الكردية في كوباني. وما لبثت أن تطورت وباتت الطائراتُ الأمريكية لا تغيب عن سماء المنطقة منذ ذلك الوقت ولا تتوقف عن قصف التنظيم الإرهابي ومساندة وحدات حماية الشعب التي أثبتت عبر مقاومتها وبسالتها في المدينة على أنها القوة الوحيدة التي يمكنها مجابهة الإرهاب والقوة الوحيدة الحاملة للفكر الديمقراطي والقادرة على تعزيز الحريات والتحرر بين الجنسين.

ولمحاولة تفادي السيناريوهات التي تشهدها ليبيا واليمن ومصر بعد ثورات ما سميت بـ “الربيع العربي” يتوجب على الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا إضافة إلى الاتحاد الأوروبي دعم نموذج روج آفا الذي يمثل أملاً في منطق صراعات دائمة. هذا النموذج حقق التعايشَ المشترك بين جميع مكونات المنطقة الواقعة تحت سيطرتها وتمكن من إدارة المقاطعات بشكل مقبول إلى حد كبير من النواحي الاقتصادية والأمنية على الرغم من الحصار المفروض من كافة الاتجاهات والهجمات والمفخخات التي لا تتوقف. الدعم يجب أن يتم تقديمه من القوى الديمقراطية العربية التي تريد حقاً التغيير في المنطقة ككل وليس فقط في سوريا.

الخلاصة: تفيد مجريات الأحداث التي مرّ بها الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة وحتى الآن حقيقة مفادها أن تركيا وحزب العدالة والتنمية لم ولن تكون حليفاً للغرب، وديمقراطيتها لم تكن سوى كذبة إعلامية تم ترويجها بشكل مُتقن وبارع، إلا أن التطورات المتسارعة في سوريا

والمنطقة وتمكن الكرد من لعب دورهم الحقيقي أظهر نوايا حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان الخبيثة والخطيرة العواقب على العالم بأسره. مواجهة دكتاتورية حزب العدالة والتنمية ومشروعه الذي برزت خطوطه بوضوح عبر الدعم العلني لتنظيم “داعش” و مشتقات تنظيم القاعدة يمكن في أن يتحقق فقط عبر دعم القوى الحاملة للمشروع الديمقراطي المتمثلة بالكرد في الشرق الأوسط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى