مقالات رأي

صلاح بابان – جمود الزمن في “الكرد أمة الإبادات الجماعية”

(آدار برس)

صدر حديثاً عن مركز القاهرة للدراسات الكردية كتاب “الكُرد أمة الإبادات الجماعية” من تأليف الباحثة الفنلندية “كرستينا كويفنن”، وترجمة الباحث الكردي “حسين ملا محمود” بـ /240/ صفحة من القطع المتوسط وبثمانية عشر فصلاً.

يسرد الكتاب في مضمونه بشكل عام تجربة حية ودقيقة عاشتها وقامت بها المؤلفة لأكثر من خمس عشرة سنة في كُردستان الجنوبية “كردستان العراق”، بدعم من جهات رسمية حكومية في إقليم كُردستان، فضلاً عن العديد من الأصدقاء والمعارف، من خلال الإتصالات وتقديم المعلومات والتجربة العملية لها لجمع نتائج علمية ومنطقية، سلطت الضوء فيها على جملة من الأحداث التي تمثل إبادة جماعية تعرّض لها الشعب الكُردي في أجزاء كُردستان الأربعة، لاسيما كردستان الجنوبية.

الكتاب ومن خلال عنوانه يشير إلى أنه يحمل في طياته الكثير من الخفايا والأسرار التي لم تُكشف أو لم تذكر بشكل دقيق في المؤلفات الأخرى التي تناولت هذه القضية.

أهم نقطة في الكتاب أنه يكشف الحملة الوحشية التي تعرض لها الكُرد على مدى التاريخ، على يد السلاطين والحكام الظلاميين وجرائمهم وأعمالهم البشعة، التي وصفتها جميع الكتب والمؤلفات بأنها غير إنسانية على مختلف الأصعدة.

يعتبر الكتاب أحد أهم المؤلفات الذي أنصف الكُرد ومظلوميتهم وقضيتهم القومية المهمشة عبر التاريخ بطريقة أكاديمية وعلمية، لكونه يمثل تجربة حية منقولة عن الواقع لا سرد فقط كما في المؤلفات الأخرى.

تقول المؤلفة في مقدمة كتابها: “وصف كردستان بشكل عام يعني أن يقوم الباحث بتحليل الوضع في هذه الدول الأربع، التي لدى كل واحدة منها تاريخ معقد، وجود ثلاث لغات (العربية والتركية والفارسية)، إضافةً إلى العديد من اللهجات الكُردية يعقد العمل إلى حدٍ كبير.. الإبادة الجماعية للكُرد ليست مجرد تاريخ، والعملية ما زالت مستمرة، حصلت أكبر عملية عسكرية عالمية بعد حرب فيتنام في العراق العام 2003 ولغاية العام 2011، عندما كان الإتحاد الأوروبي يفاوض تركيا في مسألة عضويتها في الإتحاد.

وبما أن البريطانيين قبلوا معاهدة “لوزان” وأكدوا تقسيم كُردستان، فمن السهل اقتراح أنّ بريطانيا والاتحاد الأوروبي مسؤولان عن مصير الكُرد، ومع ذلك حينما تحدث الإبادة الجماعية للكُرد أمام أعين المجتمع الدولي، فإنهم يديرون أنظارهم إلى الناحية الأخرى.. مسألة الإبادة الجماعية للكُرد كبيرة ومعقدة، وليس من الممكن تغطية كل مظاهرها في كتاب واحد”.

لقد تجرأت الكاتبة في هذه المقدمة إلى حدٍ كبير في كشف الحقيقة التي حاول الكثير اخفاؤها والإبتعاد عنها أو نكرانها، وهي أن دولاً عظمى وكبيرة مثل بريطانيا وغيرها من الدول الأخرى لها يد في كل الجرائم والإبادات التي تعرض لها الشعب الكُردي، من خلال صمتها وعدم تجاوبها مع تلك المظلومية التي وقعت على الكرد، وهذه الحقيقة قلة ما نراها في المؤلفات الأخرى التي تحدثت عن مظلومية الكُرد عبر التاريخ.

قول الحقيقة بهذه الطريقة في هذا الكتاب أصاب الزمن بالجمود من خلال وصول الكاتبة إلى قناعة بأن القضية الكُردية أثبتت للكل بأنّها قضية شعب تجرع سموم الحكام والسلاطين سواء العرب منهم أو غيرهم من الفرس والعثمانيين، “إشارة إلى أكراد تركيا وإيران” دون أية مساعدة من الدول العظمى لوقف النزيف الكُردي أو الإعتراف بصمتها أمام مظلومية هذا الشعب.

ووصف الكتاب بشكل عام كيف قسمت كردستان العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى (1914_1918) بين تركيا والعراق، وكيف بدأ الترك والعرب بعملية صهر الكُرد، وكذلك كيف أن الكُرد دافعوا من خلال التمرد عن هويتهم القومية ضد عملية التتريك والتعريب القسرية، وأيضاً قمع تركيا والعرب للكُرد.

أدى أسلوب القمع في كل من تركيا والعراق إلى أن تصل إلى مستويات الإبادة الجماعية، ووصل القمع قمته في عمليات الأنفال في جنوب كُردستان (كُردستان العراق) في العام 1988، وقد أدّت هذه الإبادة إلى قتل المدنيين العزل بنسبة كبيرة جداً من غير المسلحين.

والبراهين الواقعية التي خرج بها هذا الكتاب تشير غلى مجموعة حقائق مهمة أهمها أن جنوب كُردستان ومنذ الإنتفاضة عام 1991 يتمتع باستقلالية سياسية واقتصادية واجتماعية إلى حدٍ ما بعد سنوات من الظلم والإضطهاد والتهميش على يد النظام البعثي الصدامي، إلا أنه ما زال يتعرض إلى التهميش والإضطهاد من خلال الوقوف في طريق استقلاله وعدم منحه هذا الحق الشرعي، ومازال يمثلُ رمزاً للظلم والإقصاء والإنكار والإنتهاكات التي حصلت بحقه على يد الحكومات والإمبراطوريات السابقة التي حكمت العراق خلال عقودٍ من الزمن، وتسببت بجرائم قتل وذبح وإبادة جماعية ومع ذلك لم تسلط المنظمات الدولية والإقليمة المتخصصة في مجال حقوق الإنسان الضوء بشكل منصف حول بشاعة وشناعة هذه الجرائم والإبادات، وهذا ما جعل القضية الكردية معلقة في رفوف نيل الحقوق والإستقلالية دون أية نتائج أيجابية.

وأخيراً، لقد نجح المترجم بدرجة امتياز في ترجمة كتاب “الكرد أمة الإبادات الجماعية” ترجمة جيدة حية لكونه يعتبر من أهم الكتب، التي تناولت القضية الكُردية بطريقة أكاديمية وعلمية، بالإستناد إلى نتائج عملية ميدانية قامت بها المؤلفة خلال عقدٍ ونيف من الزمن.

وتعتبر لغة المترجم “حسين ملا محمود” في “الكرد أمة الإبادات الجماعية” من العوامل الرئيسية المهمة المساهمة في نجاح هذا الكتاب لكونه استخدم لغة سردية خطابية موجهة إلى المتلقي بطريقة شاعرية خاطبت وجدانه ومشاعره الإنسانية التي قلة ما ترى هذه الميزة لدى الكثير من المترجمين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى