مقالات رأي

طارق عزيزة- في بعض تعقيدات القضية الكردية

(آدار برس- المركز الكردي السويدي للدراسات) .. العديد من القضايا والمشكلات التي رافقت ظهور دول شرق المتوسط بحدودها الحالية، ظلّت في معظمها عالقة حتّى اللحظة. وهي ما فتئت تسهم في تحديد السياسات المحلّية والإقليمية لدول المنطقة، وكذلك السياسات الشرق أوسطية للقوى العالمية الكبرى. وكثيراً ما كانت سبباً للتوتّر والخلافات، حتى باتت من ركائز عدم الاستقرار المزمن الذي تتسم به هذه البقعة من العالم.

وإذ تعدّ القضيتان الفلسطينية والكردية من أبرز تلك القضايا، فإن الأخيرة ربما تكون الأعقد بينها اليوم على ما يظهر. فقضيّة فلسطين، مثلاً، وجدت طريقها إلى أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، وصدرت مئات القرارات بشأنها، كما أنّ أصحاب الشأن من الفلسطينيين و”أشقائهم” دخلوا في مسارات التسوية السلمية مع الاحتلال. صحيح أن ذلك كلّه لم يؤدِّ إلى إيجاد حلّ عادل حتى الآن، غير أنّ وجود أطرٍ نظرية وضعتها “معاهدات السلام”، وقبلها الأساس القانوني من القرارات الأممية ذات الصلة، هي مما يمكن البناء عليه ويجعل إمكانية التوصّل إلى تسوية لهذه القضية أمراً قابلاً للتحقق، لا سيّما وأنّها – خلا بعض المتاجرة والمزاودات “الممانعجية” – تكاد أن تتحوّل شأناً فلسطينياً بحتاً، خلافاً لما كان الحال عليه لعقود خلت.

في المقابل تتعدّد مستويات التعقيد وتتنوع الإشكالات التي تنطوي عليها القضية الكردية. يأتي في مقدّمتها أنها تطال دولاً أربع، مما شكّل على الدوام عائقاً أساسياً أمام التعامل معها دولياً ضمن منظار واحد، إذ تتفاوت الظروف والمعطيات المتعلقة بأحوال الأكراد في كلّ من تلك الدول، علاوة على أنّ اندراج هذه القضيّة في لعبة المصالح الإقليمية والدولية المتداخلة والمتشابكة أدّى بها إلى مزيد من التعقيد.

يكتمل المشهد بإضافة العوامل الذاتية الكردية وإشكالاتها، من قبيل تقاطع البنى الأهلية والسياسية في المجتمعات الكردية، وتباين المصالح بين مراكز القوى الأهلية والسياسية، حيث أن الانقسامات الكردية – الكردية تؤدي دوراً حاسماً مكّن دولاً وأنظمةً من أن تستخدمهم في ضرب بعضهم بعضاً، أو تزجّهم في صرعاتها البينية. بل إنّ قوىً كرديةّ رئيسية لم تتورّع عن الاستعانة بأنظمة تعادي الحقوق الكردية في قتالها ضد قوى كردية منافسة.

المثال الأبرز كان الاقتتال الكردي – الكردي في العراق أواسط التسعينيات من القرن الماضي. ففي خضمّ الصراع بين “الاتحاد الوطنيّ الكردستانيّ” بزعامة طالباني، والحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ” بزعامة برزاني، استعان الأوّل بالحرس الثوريّ الإيرانيّ، والثاني بقوّات النظام العراقي، ولم يتوقّف القتال إلا بعد وساطةٍ أمريكيةٍ أفضت إلى توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار في أيلول/ سبتمبر من عام 1998. وأيّاً تكن مبررات كل طرف ومسوّغاته، فإن هذا الأمر يدلّ على أن المصالح الحزبية والسياسات الخاصة الضيقة لدى القوى الكردية الرئيسية يمكن أن تطغى على المصالح القومية العليا.

كان لافتاً أن المسالك التي زادت من تعقيدات القضية الكردية لم تقتصر على خصوم للأكراد بل شملت حتى أصدقاءهم وحلفاءهم المفترضين، في استنساخ وتكرار لتجارب الماضي، فهذا ما كان أيام العثمانيين والصفويين، وهو ما جرى على امتداد القرن الماضي لاسيما خلال الحرب الباردة والصراع الأمريكي السوفييتي، وصولاً إلى المرحلة الراهنة، وما تشهده من تنافس إقليمي بين دول المنطقة، تعدّ “الورقة الكردية” واحدة من أدواته الأساسية.

ما من شكّ أنّ سياسات الدول إنما تحرّكها المصالح وتوازنات القوى وليس التعاطف مع عدالة هذه القضية أو تأييد حقوق ذاك الشعب. على هذا الأساس، سيكون مفهوماً – على سبيل المثال – كيف أن علاقات الولايات المتحدة مع الأكراد كثيراً ما كانت تشهد تقدّماً أو تراجعاً بدلالة تطوّر علاقة واشنطن مع الدولة المعنية بالقضية، وفي الوقت عينه تنتهج سياسة مختلفة في ما يخصّ حقوق أكراد دولة مجاورة، فضلاً عن متطلبات “الأمن القومي الأمريكي”.

هكذا دعمت الولايات المتحدة أكراد العراق بقوّة في وجه نظام صدّام حسين إلى أن نجحوا في تأسيس إقليم كردستان، واستمرت في دعمهم بعد إسقاطه، وهاهم اليوم يبحثون في مسألة إجراء استفتاء للاستقلال عن العراق. أما في تركيا، الدولة العضو في حلف شمال الأطلسي، فقد اتّسم الموقف الأمريكي حيال القضية الكردية بالتذبذب، حيث أن واشنطن من جهة أدرجت “حزب العمال الكردستاني” على قوائم الإرهاب، ومن جهة أخرى واصلت دعواتها إلى احترام الحقوق الكردية ضمن مساعي دعم جهود الدمقرطة في تركيا. غير أنّ الأمريكيين أنفسهم بالكاد بدؤوا الالتفات إلى أكراد سورية مطلع الألفية الجديدة، بعد صمت مطبق حيالهم طيلة عهد الأسد الأب. لا شك أن الموقف اليوم بات مختلفاً نتيجة لما طرأ من تحولات على المشهد السوري، والاعتماد الأمريكي الكبير على جهود المقاتلين الأكراد في الحرب على الإرهاب.

ما تقدّم يفضي إلى القول بأن القضية الكردية لم تكن في أي وقت شأناً كردياً خاصاً، ويخطئ من يعتقد أنّ بإمكان الأكراد فرض إرادتهم على الآخرين، شأنه شأن من يعتقد بإمكانية فرض إرادة الآخرين عليهم. فالتأثير الحاسم للعوامل الإقليمية والدولية يجعل من الموضوع قضية وطنية بامتياز في كل من الدول المعنية، وهذا يتأتى أيضاً من تباين تجربة النضال الكردي تبعاً لاختلاف ظروف وخصائص تلك الدول، فتطوّر القضية الكردية في كلٍّ منها هو جزء من التحولات التي تصيب البلد المعني، بما لذلك من تداعيات على السكان جميعاً.

لقد كان تشدّد الأنظمة المختلفة في المنطقة حيال الأكراد ورفض الاعتراف بحقوقهم سبباً رئيسياً في معاناتهم وتعثّر قضيّتهم، غير أنّ تشدّدهم حيال شركائهم من شعوب المنطقة، الذين هم بدورهم ضحايا للأنظمة نفسها، لن يكون السبيل إلى حلّ قضيتهم، لاسيما مع كل التعقيدات التي تكتنفها. وإنّ التفاهم وتسوية الخلافات الكردية – الكردية بالتوازي مع إيجاد صيغ متينة من التعاون والشراكة مع غير الكرد، في ضوء المصالح المشتركة لمختلف شعوب المنطقة، هو المقدمة الأساسية للتخفف من عبء العبث الإقليمي والدولي في القضية الكردية، وتالياً فك الكثير من العقد التي لطالما جعلتها عصية على الحل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى