مقالات رأي

هوشنك أوسي- تركيا وقطر و”الصناديق السوداء”

(آدار برس- كوردستان24)..الأزمة العربيّة – القطريّة دفعت بمنطقة الشرق الأوسط والعالم العربي إلى المزيد من الانقسام والاصطفافات والتجاذبات الحادّة، وربما الممزّقة. ثمة حَدْثٌ يقول لي:إن هنالك “صناديق سوداء” تركيّة موجودة في قطر، لا مناص من الهرع والإسراع في الوصول إليها، قبل ان تطالها أيادي غريبة. ذلك أن الكشف عن محتوياتها، ربما يهزّ العالم، ويكون لها دوي أكبر من دوي التسجيلات الصوتيّة للمسؤولين القطريين وهم يتحدّثون على كيفيّة تفتيت العربيّة السعوديّة، وإعادة هندسة المنطقة وفق الأجندة القطريّة. هذه الاجندة التي كانت تستهدف محور السعوديّة – مصر وبينهما الأردن، وكان نظام بشّار الأسد، أحد نقاط الارتكاز فيها، قبل 2011، ثم أصبح هذا النظام، أحد “ضحايا” تلك الاجندة.

كثيراً ما قدّمت تركيا نفسها على أنها حماية حمى التركمان في العراق وسوريا، والقبارصة الأتراك. ولم تنفع الثرثرة التركيّة المديدة والمزمنة في الحديث عن مظلومية تركمانيّة في العراق وسوريا، لجهة السماح لها بتشكيل جيوب أمنيّة عسكريّة في البلدين الجارين. وربما كان غريباً أو مستبعداً أن تهرع تركيا رجب طيب أردوغان إلى نجدة دولة قطر، ليس لأن القطريين هم من العنصر أو العرق التركي، شأنهم شأن التركمان والقبارصة الأتراك…الخ، بل نظراً لصلة القربى العقائديّة – الأخوانيّة التي تجمع البلدين. ذلك أننا اعتدنا على أن البراغماتية التركيّة ترجّح كفّة المصالح على المبادئ. وفي هذا السياق، يمكن فهم تصويت البرلمان التركي على قانون يقضي بالسماح للجيش التوجه نحو قطر ونشر قوات عسكريّة هناك. هذا القانون الذي صادق عليه الرئيس التركي على نحو عاجل، صحيح أنه صيغ قبل انفجار الخلاف القطري – العربي، لكن الصحيح أيضاً أن الأتراك استشفّوا نُذر الخطر المحدق بالحليف القطري، وخشيت أنقرة أن يحصل للدوحة ما حصل للكويت سنة 1990، ويفتضح ما كان طيّ الدفاتر والصناديق والسراديب.

حزب الشعب الجمهوري، برئاسة كمال كلجدار اوغلو (الذي لطالما كان ينتقد سياسات حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا وزعيمه اردوغان، لجهة التورّط في الشؤون الداخليّة للدول الجارة، بخاصّة في سوريا)، هو أيضاً صوّت ودعم هذا القانون!. هذا الحزب الذي كان يشتم قطر ويتهمها بشن الحرب على سوريا ونظامها الأسدي الطائفي…، صار يدعم الآن، مشروع حماية هذه الدولة من قبل الجيش التركي. وهذا لا يعني ان حزب الشعب الجمهوري غيّر موقفه من قطر، بل لأن الحزب الأتاتوركي مع تدخّل تركيا في شأن المغرب وموريتانيا والسودان والسعودية وقطر…، باستثناء سوريا ونظامه الأسدي، لأسباب باتت معروفة!. هذا من جهة، من جهة أخرى، الحزب الأتاتوركي العلماني، يعي ويدرك ان مصلحة الدولة التركيّة العليا، والكثير من “أسرار الدولة” تستوجب التصويت على هذا القانون، وأن الجيش التركي ينبغي أن يحمي قطر من أي “طارئ” يلمّ بها فجأةً، من شأنه تهديد مصالح تركيا.

نعم، القانون التركي، أو ما يمكن تسميته بـ”قانون حماية قطر” كان قبل الأزمة القطريّة – الخليجيّة، لكن تزامن التصويت عليه ومصادقة أردوغان له، مع احتدام وتفاقم الأزمة، قطعاً ليس صدفة.

جريدة “آكشام: المساء” التركيّة المقرّبة من الحكومة عنونت على صدر صفحتها: “قط على الأسد.. وأسدٌ على قطر”، في إشارة منها إلى السعودية على أنها كانت ضعيفة أمام نظام بشار الأسد، وتستأسد على قطر. هذه الصحيفة والعديد من المؤسسات الإعلاميّة الموالية للحكومة التركيّة، سعت نحو تحشيد الرأي العام التركي دعماً لقطر. وعليه، أي حديث حول وساطة تركيّة نزيهة ومحايدة لحلّ الأزمة الخليجيّة بات ضرباً من المستحيل.

قطر، هذه الدولة الصغيرة، لم تنجح فقط في التأثير على مصائر بلدان وشعوب في منطقة الشرق الاوسط، ولم تنجح في استعداء دول خليجيّة وعربيّة هامّة وحسب، بل نجحت أيضاً في أن يجتمع الإيراني والتركي لنجدتها، وربما يدخل الإسرائيلي أيضاً، لاحقاً، بعد دخول الروسي. والباب سيبقى مفتوحاً لدخول النظام السوري أيضاً للدفاع عنها، بحيث يمكن القول: إن قطر نجحت في خلط الأوراق في المنطقة مجدداً. والصحيح أيضاً أن سقوط أو إسقاط قطر، ليس من مصلحة الخليج والمنطقة، وخروج قطر من هذه الأزمة، دون التراجع عما هي فيه وعليه، ليس من مصلحة قطر والمنطقة.

ما هو مفروغٌ منه، أن تركيا تحفر قبراً في دولة قطر. ومن غير المعروف بعد، لِمن؟ أو ماذا ستدفن فيه؟. هل ستدفن علاقاتها ومصالحها مع السعودية والامارات والبحرين ودول عربيّة أخرى؟ أم ستدفن جماعة الاخوان المسلمين؟ أم ستدفن “الصناديق السوداء” التركيّة الموجودة في قطر؟. ذلك أنه بعد تورّط وفشل أنقرة في الأزمة السوريّة، ها هي تقحم نفسها في أزمة عربيّة – عربيّة أخرى، ربما تكون عوائدها السلبيّة على تركيا، أضعاف أضعاف العوائد السلبية من الضلوع التركي في الأزمة السوريّة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى