آدار برس- عفرين-  خاص

مع اندلاع أعمال الحراك الشعبي في سوريا عام 2011, تعالت أصوات واسعة من الشعب الكردي بضرورة مساندة الحراك الشعبي السلمي، إلا أن انحراف الحراك الثوري إلى العمل المسلح الذي غلب عليه التطرف بعد عدة سنوات، دفع بالكرد للانزواء في مناطقهم والالتفات إلى قضيتهم.

محاولات كُردية عديدة للتوحد باءت بالفشل، لتتبادل فيها الأطراف السياسية الاتهامات حول مسؤولة فشلها، فيزيد معها الانقسام والشقاق بين الإخوة ورفاق الأمس.

كل تلك المعطيات، وتحول حالة الصراع في سوريا إلى حالة عبثية، وانكشاف أمور عدة، أهمها خروج القضية السورية من يد السوريين إلى يد الأطراف الدولية، إضافة للعوامل الاقتصادية والتعليمية وحتى النفسية، كانت بمجملها قد هيأت المناخ المشجع على السفر نحو الخارج، فكانت أوروبا الحلم الموعود المنشود والجنة المنتظرة.

وساعد المهاجرين في ذلك، عدم وجود قرار صارم من الاتحاد الأوروبي وتركيا لمواجهة موجات اللجوء، فشوهدت جحافل المسافرين وهي تتقاطر تباعاً إن كانت راجلة أو عبر القطارات، متوجهة نحو دول الاتحاد الأوروبي وألمانيا منها خاصة، تحت عدسات المصورين وتحليلات السياسيين.

وكان للكرد في سوريا كغيرهم نصيب كبير من تعداد المهاجرين من البلاد، ورغم أنهم سافروا بيد أنهم لا زالوا ربما مرتبطين بقضية شعبهم، غير قادرين على الانفكاك من تبعاتها، حيث يستمر معظم هؤلاء المهاجرين في نشاطاتهم الداعمة للحراك الكردي في الوطن عبر ندوات واعتصامات ولقاءات مع أطراف أوروبية.

لتنظم تلك الجماهير المظاهرات والوقفات الاحتجاجية للتعبير عن وقوفها إلى جانب خيارات أخوتهم في الداخل، ومنها الوقفة الاحتجاجية التي نفذها بشكل مشترك كل من “التحالف الوطني الكردي في سوريا” و “الحزب التقدمي الكردي في سوريا” في العشرين من تموز\يوليو الماضي في مدينة بروكسل أمام مبنى الاتحاد الأوروبي للتضامن مع عفرين في وجه أي عدوان تركي.

الجماهير الكردية تتظاهر دعماً لعفرين

عن سبب خروج الوقفة التضامنية في بروكسل مع عفرين، يقول “صلاح علمداري” عضو اللجنة السياسية لحزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا والذي كان مشاركاً في وقفة بروكسل: «نعتقد أن تركيا تستهدف عفرين بحد ذاتها، تستهدف فيها انتماءها الكردي وإرادة أبنائها، طموحهم في مستقبل أفضل، وما موضوع محاربة الإرهاب في إدلب إلا ذريعة لتبرير تدخلها العسكري».

ويضيف “علمداري”: «تركيا هي التي ساهمت بشكل مباشر في صناعة الإرهاب في سوريا، وهي التي ترعاه، وبالتالي لا مصداقية لأي حديث تركي عن محاربة الإرهاب، وفعالية بروكسل التي دعا إليها التحالف الوطني الكردي في سوريا والحزب الديمقراطي التقدمي أمام الاتحاد الأوربي كانت للتنديد بالتدخل التركي العسكري في الشمال السوري وبالحملة الجديدة وتهديداتها المباشرة لعفرين، كما كانت للتضامن مع أهلنا الصامدين وقراءة مذكرة احتجاج موقعة من الجهات المنظمة للرأي العام الأوربي ومن ثم تقديمها إلى مفوضية الاتحاد».

ويبين “علمداري” أن شخصيات سياسية وثقافية بلجيكية وأوربية شاركت معهم في الوقفة، حيث ألقى عضو في البرلمان الأوربي كلمة تضامنية مقتضبة.

مدى فعالية نشاطات الجالية الكردية في أوروبا

يقول “علمداري” في هذا الصدد: «هذه الفعالية كانت جزءاً من سلسلة فعاليات ونشاطات لا زالت مستمرة للتضامن مع عفرين واستنكار التهديدات العدوانية للدولة التركية تجاهها، حيث تقوم بها منظمات حزبنا في أوربا منفردة أو باسم التحالف، وهذا أقل واجب يمكن أن يقوم به الكُرد المقيمون في أوربا بغض النظر عن الانتماءات الحزبية والسياسية».

مضيفاً : «لا شك أن المغترب – اللاجئ أينما كان يظل يحمل معه انتماءه وهمومه ويتواصل مع ذويه ويتفاعل مع أحداث الداخل, لكن بالنسبة للكرد في بلدان الاغتراب فلا توجد خيمة جامعة يستظلون بها ويتعاضدون تحت سقفها بمعنى جالية، حيث تبقى نشاطاتهم في أحسن الأحوال ضمن إطار منظمات الأحزاب أو حالات فردية, فالكرد المتواجدون في أوربا قبل الأحداث السورية لم يتمكنوا –مع الأسف – من تنظيم أنفسهم ضمن اطر وروابط تنظيمية على غرار الجاليات الأخرى وتعيش حالة عبثية يكادون يكونون فيها غرباء عن بعضهم, يشكلون انعكاساً لحالة الانقسام الحزبي المزرية داخل الوطن, أما الذين وصلوا إلى أوربا خلال السنوات الأخيرة فلم تتبلور فعاليتهم بعد ولا زالوا خاضعين في غالبيتهم لروتين القوانين الخاصة بهم في بلدان اللجوء ولا زال معظمهم مذهولاً من صدمة الغربة».

السياسيون الكُرد في المغترب، والتهديدات التركية تجاه عفرين

أما عن دورهم كسياسيين كرد في الخارج ونظرتهم للتهديدات التركية ضد عفرين، ودورهم في التواصل مع الجهات الأوروبية، فيقول “علمداري” في هذا السياق: «تركيا تحارب كُرد سوريا، وتسعى لضرب مكتسباتهم والتشويش على الدور المشرف لوحدات حماية الشعب ضمن “قسد” في محاربة الإرهاب إلى جانب التحالف الدولي من خلال عفرين حيث بوابة كردستان الوحيدة نحو البحر والنقطة الأقرب إلى إقليم الغرب السوري (الساحل) المزمع تشكيله وفق بعض القراءات».

ويؤكد “علمداري” أن تركيا لن تتجرأ على احتلال مباشر لعفرين بدون ضوء أخضر أمريكي– على الأقل – لكنها ستسعى بكل طاقاتها إلى تضييق الخناق عليها من خلال مجموعات عسكرية تتمركز في إدلب (جنوب عفرين)، ومن خلال مجموعات أخرى تم تشكيلها حديثاً على أنقاض “الجيش الحر” تحت مسمى “سيف الفرات” المتمركزة في شرقي عفرين والتي تأتمر في الجهتين بأوامر مباشرة من الاستخبارات التركية.

ويرى “علمداري” أن ما تم تداوله في بعض الوسائل الإعلامية عن مبادرة روسية تخيّر إدارة عفرين بين عودة النظام السوري أو الرضوخ لعدة شروط تركية من أجل تجنيب المنطقة الحرب والعدوان كما جرى الترويج لها، ليست إلا (فزاعة) من باب الحرب المعنوية ومحاولة النيل من عزيمة الأهالي في عفرين، الذين يرفضون قطعاً عودة النظام القائم ويرفضون قبل الإدارة نفسها هذه الشروط التركية جملة وتفصيلاً ويختارون خيار المقاومة دون تردد.

و يوضح”علمداري” أن أحد هذه الشروط – مثلاً – هو إقامة عدة قواعد عسكرية تركية في قمم جبال “ليلون” و”الشيخ بركات” لتأمين التواصل بين المجموعات العاملة ضمن مشروعها في شمال حلب مع مثيلاتها في ريف حلب الغربي, والعارفون بجغرافيا المنطقة يدركون أن هكذا شرط يعني قضم جزء من عفرين وحصار ما تبقى منها بشكل مطبق، وبالتالي اقتطاعها عن سوريا تماماً, وهو عدوان تركي سافر ليس فقط على عفرين بل على السوريين جميعاً وعلى سوريا كوطن , حتى وإن كانت عفرين هي بمثابة “بنت الجارية” في ثقافة الكثير من العنصريين، لكن هذه القواعد التركية المزمعة في جبال “ليلون” تهدد كامل محافظة إدلب وكامل مدينة حلب وريفها، أفليس هذا احتلال–إذا صحت الأخبار- وواجب على السوريين جميعاً رفضه ومقاومته بالتضامن مع أبناء عفرين وبناتها؟

ويبين “علمداري” أنهم نقلوا قراءاتهم تلك للعديد من الجهات الأوربية (الرسمية والشعبية والإعلامية) التي التقوا بها، وقد أبدوا تفهماً لمخاوفنا، ووعدوا بإدراج الموضوع ضمن مداولات حكوماتهم.

الطريقة الأنسب لتقديم الدعم لأهالي عفرين!

يقول “علمداري” أن التضامن مع الأهل في عفرين ضد تهديدات الدولة التركية والمجموعات الدائرة في فلكها هو واجب يترتب على جميع الكُرد أفراداً وأحزاباً، وعليه يعتقد أن هناك مجالات وطرق كثيرة للتضامن والدعم.

ويوضح “علمداري” أن الدعم المعنوي السياسي يتمثل في إيصال صوت الداخل إلى الرأي العام الأوربي والعالمي والجهات الرسمية من خلال فعاليات احتجاجية منظمة ومدروسة، وهذه مهمة الأحزاب والأطر السياسية.

وكذلك هناك دعم مادي عيني وفقاً لعلمداري، «حيث يجب أن يقدمه الجميع للأهل في الداخل سيما وهم يعانون من الحصار والغلاء وفقدان بعض المواد وبحاجة إلى تواصل وتضامن، وهذه وفق اعتقاده مهمة الجميع دون استثناء، ونحن من جانبنا نؤكد على هذا الجانب في جميع ندواتنا ولقاءاتنا مع أبناء شعبنا في أوروبا».

حقوقياً.. هل يحق لتركيا الهجوم على عفرين؟

يجيب المحامي والناشط السياسي الكردي “حسين نعسو” عن هذا الاستفسار فيقول: «بالتأكيد لا يمكن وضع الهجمة التركية على منطقة عفرين إلا في خانة العدوان السافر على أراضي دولة أخرى وفقاً للقانون الدولي، لأن عفرين ومناطق الشهباء إلى الآن هي جزء من دولة سورية التي مازالت عضواً كامل العضوية في الأمم المتحدة بالرغم من تمتعها بسيادة منقوصة على أراضيها نتيجة تدخل عدة دول كبرى وإقليمية في شانها وتحويل ساحتها إلى ساحة لتصفية الخلافات الدولية».

ويضيف “نعسو”: «مع ذلك، فإن الاعتداء التركي هو اعتداء سافر وغير قانوني ومخالف للقانون الدولي، وليس من حق تركيا أو أية دولة أخرى التدخل أو احتلال جزء من الأرض السورية بحجة المحافظة على أمنها القومي، حتى لو كان رأس الحربة في ذاك التدخل بعض القوى والكتائب العربية المرتبطة بالميت التركي (المخابرات التركية) والتي لا يمكن وصفها وفقاً للقانون الدولي إلا بـ”المرتزقة” وفقاً لتعبير “نعسو”.

الحقوقيون الكُرد ودورهم في الدفاع عن عفرين في الخارج؟

وفيما يتعلق بدور الحقوقيين الكرد في الخارج وإمكانية لعبهم لدور من شانه لجم النظام التركي عن التدخل في الشؤون الكردية، ووقف عدوانها على عفرين، فيقول “نعسو”: «للأسف لم نرتقِ بعد كحقوقيين إلى تلك المرحلة والمرتبة التي تؤهلنا لتشكيل لوبي قانوني ضاغط على تركيا وغيرها من الأنظمة الغاصبة لكُردستان، ومعظم المنظمات الحقوقية التي تشكلت في الخارج لا يتعدى دورها مجال التنظير وإصدار البيانات».

إلا أنه وفقاً لـ “نعسو” يمكن للحقوقيين باعتبارهم جزء من الجالية الكُردية الكبيرة والمنتشرة في أوروبا، لعب دور ايجابي في بلورة القضية الكُردية، وكسب المزيد من الأصدقاء لها، من خلال التواصل مع الرأي العام الأوربي، والقيام بأنشطة من شانها الضغط على الرأي العام وإحاطتهم بالجرائم التي ترتكب بحق شعبهم في الداخل كالاحتجاج والتظاهر السلمي أمام الدوائر الأوربية الرسمية مثلما حصل مؤخراً في “بروكسل”.

الحقوقيون الكُرد ومطالبة الائتلاف المعارض لتصنيف الوحدات الكُردية ضمن قوائم الإرهاب؟

وحول الرسالة التي وجهتها اللجنة القانونية للائتلاف الممثلة بـ “هيثم المالح” إلى الأمم المتحدة بغية إدراج القوات الكردية YPG على لائحة الإرهاب، فهي كما يقول “نعسو” «لن تجد صدىً لدى الأمم المتحدة أو الدول المتنفذة فيها كأمريكا وروسيا، لأن تلك الدول هي في تحالف شبه رسمي وغير معلن مع القوات الكردية لمحاربة الإرهاب، وهي على اطلاع بكل التفاصيل الصغيرة والكبيرة المتعلقة بآليات تشكيل تلك القوات وطرق تمويلها وأساليب قتالها».

وأضاف “نعسو” أن «أي اتهام لها بالإرهاب هو اتهام مبطن لتلك الدول بالإرهاب لكونها هي الجهة الداعمة لها بالعدة والعتاد والأسلحة هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى نعتقد بأن الائتلاف قد أفلس تماما سياسياً وجماهيرياً وربما يعيش آخر أيامه، ولا يوجد لصوته أي صدى لدى العالم الخارجي ومحاولتهم الميؤوسة تلك هي فقط لإرضاء “الميت التركي” والرئيس التركي”اردوغان”».

ويشير “نعسو” أن تلك المحاولات هي لتقديم حجج واهية، قد تشرعن لهم تدخلهم في عفرين والشهباء، لمحاربة قوة إرهابية كما يدعون.

وأكد “نعسو” أن تلك المحاولة هي محل إدانة من قبل كل كُردي وسوري شريف، وعلى القوى المنضوية للائتلاف أن تعلن عن مواقفها من هذا التوجه الخطير نحو الارتماء الكامل في أحضان تركيا، وإلا فهم يتحملون كامل المسؤولية الاخلاقية والقانونية عن ذلك.

 

 

ترك الرد