مقالات رأي

وائل السواح- أردوغان إذ ينهي المثال التركي

قطع رجب طيب أردوغان الخطوة الأخيرة نحو تكريس نفسه ديكتاتوراً مطلقاً للجمهورية التركية، منهياً بذلك فصلاً جميلاً من فصول السياسة في تركيا والمنطقة.

فقد نظر جزء كير من شعوب المنطقة إلى التجربة التركية بإعجاب وتقدير. واعتبر كثير من الإسلاميين المعتدلين أنها نموذج لتعايش الديموقراطية مع الإسلام. أما القوميون العرب فقالوا هي ذي القومية تتعايش مع الديموقراطية، وأعجب الممانعون بمواقف أردوغان الاستعراضية حيال إسرائيل، أما الليبراليون فأحبوا نزاهة الانتخابات وحرية التعبير وانفتاح السوق.

على دفعات، قضى السيد أردوغان على هذه الروح المتفائلة، وأثبت مراراً أنه لا يطمح لأن يكون مثالاً يحتذى، بل وضع لنفسه نماذج أخرى راح هو يحذو حذوها.

مثل أي ديكتاتور، لا يرى أردوغان في الوطن الواسع العريض من يمكنه قيادة البلاد إلى برّ الأمان إلاّه، ولا يجد شخصًا يستطيع إحلال الأمن والاستقرار والرخاء سواه. لذلك بدأ يفصل دستورًا على قياسه. لكنه، حتى قبل الاستفتاء الأخير، كان قد احتكر – خلافًا للدستور – كل السلطات بيديه، وحول رئيس وزرائه، وهو الحاكم الفعلي وفقاً للدستور، إلى مجرد مردد لأفكاره.

بعد الاستفتاء الأخير، بات بمقدور أردوغان البقاء رئيساً للبلاد حتى 2029، وسيتمتع بصلاحيات تنفيذية واسعة للغاية تشمل تعيين وإقالة الوزراء وكبار الموظفين الحكوميين وإلغاء منصب رئيس الوزراء، إضافة إلى كونه القائد الأعلى للجيش.

وسيكون من صلاحيات الرئيس فرض حال الطوارئ من دون موافقة البرلمان ولمدة ستة اشهر بدلاً من ثلاثة، كما يسمح الدستور الجديد للرئيس أن يكون عضواً في حزب، ما سيتيح لأردوغان العودة إلى حزب العدالة والتنمية، علماً أن الرئيس ملزم حالياً بالحياد إزاء الأحزاب.

الأسوأ من ذلك أن الرجل سيتمكن من التدخل في مجريات القضاء التركي، إذ سيكون من حقه تعيين أربعة أعضاء في المجلس الأعلى للقضاة والمدعين، وهو المجلس الذي يملك سلطة التعيين والإقالة في الجسم القضائي، في مقابل سبعة أعضاء للبرلمان. وهذا تغيير كبير ينتقص من فصل السلطات ومبدأ الضوابط والتوازنات، الذي يكفله الدستور التركي الحالي، والذي (يا للمفارقة!) كان أقر بعد انقلاب كنعان إيفرين العسكري الدموي في 1980.

المشكلة أن الديكتاتور لا يفكر في كل الاحتمالات الممكنة. فإذا فرضنا أن أردوغان كأي قائد ملهم هو القادر على حماية تركيا وإسعاد أهلها، ولذلك فإن تمتّعه بحد أعلى من السلطات أمر مفهوم، فماذا الذي يمكن للأتراك أن يفعلوه إذا ما – بعد عمر طويل أو قصير – قضى الرجل مثل كل عباد الله؟ هل نعيد الدستور إلى سيرته الأولى؟ أم نبحث عن بديل يشبه القائد الملهم؟ ومن سيكون في هذه الحالة غير واحد من أبنائه أو أصهاره؟

لقد سار أردوغان في رحلة طويلة للوصول إلى ما وصل إليه اليوم، فبدأ معركة مع الإعلام والقضاء والمؤسسة العسكرية والإعلام، كسبها كلها بعد أن جزأها إلى معارك صغيرة، استفرد في كل واحدة منها بفئة من خصومه. وجاءت محاولة الانقلاب الفاشلة في العام الماضي لتكون المرحلة الفاصلة في معركته الطويلة. وكائنًا من كان مدبر الانقلاب فقد اسدى للرئيس خدمة لا تقدر بثمن، استغلها الرجل بخبرة وحنكة، فاعتقل أكثر من سبعين ألفاً من الضباط والقضاة والصحافيين وأساتذة الجامعة، وسرح من الوظيفة رؤساء جامعات وعمداء كليات ورؤساء تحرير وقضاة وموظفين رفيعي المستوى، من دون إثبات أي تهمة عليهم.

لقد كان أمام أردوغان خياران بعيد الانقلاب الفاشل: إما أن يكون زعيماً لفئة من الأتراك من مؤيدي حزب العدالة والتنمية أو يكون زعيماً للأمة. إما أن يكون طرفاً في الصراع وبالتالي يتصرف كمنتصر صغير، أو يكون فوق الصراع ويتصرف كزعيم يريد توحيد الأمة وانتصار الديموقراطية النهائي على آمال العسكريين المتجددة في الانقلاب والسيطرة من جديد على الحكم في تركيا. لكن الرجل فضّل الخيار الأول، للأسف، متناسيًا أن فشل الانقلاب مرده وقوف كل الأتراك معه وفي مقدمهم أحزاب المعارضة، التي لو اختارت موقف المؤيد للانقلاب لربما كان مسار الأمور قد تغير.

ولم يتبق أمام أردوغان سوى الخطوة الأخيرة: تعديل الدستور. وها هو قد فعل ذلك قبل أيام. بيد أن نتيجة الاستفتاء كانت مخيبة له في الواقع، إذ إن فوزه بنسبة تزيد قليلاً عن 51 في المئة فقط من الأصوات، ستجعل لانتصاره طعماً مريراً. وقد طعنت المعارضة ومنظمات مجتمع مدني كثيرة بنتائج الانتخابات. وسيفتح تعديل الدستور المجال أكثر فأكثر لتقسيم الأمة التركية. ولم ينتبه أردوغان (أو انتبه؟) إلى أن الوضع السياسي والمجتمعي في تركيا متدهور جداً. ولن يؤدي الانتصار البخس الذي حققه سوى إلى مزيد من الانقسام بين الأتراك والأكراد، السنة والشيعة، العلمانيين والإسلاميين، وما سوى ذلك.

 

نقلاً عن” الحياة”

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى