مقالات رأي

حسن نافعة- إدارة أميركية مختلفة لأزمات المنطقة

(آدار برس- الحياة) .. شكَّلت الزيارة التي قام بها دونالد ترامب للسعودية حدثاً غير مسبوق في تاريخ المنطقة. فالرئيس الأميركي لم يأت إلى المنطقة هذه المرة للدعوة إلى مرحلة جديدة في علاقة الولايات المتحدة بشعوب المنطقة، كما فعل باراك أوباما حين اختار جامعة القاهرة لإلقاء خطابه الشهير إلى العالم الإسلامي عام 2009. فترامب يجيء إلى المنطقة هذه المرة قاصداً السعودية التي قامت بتنظيم لقاء قمة جمعه بأكبر عدد ممكن من قادة الدول العربية والإسلامية، الذين وجه من خلالهم خطاباً جديداً ومختلفاً إلى شعوب المنطقة وإلى العالم. وتلك عناصر تضفي على جولة ترامب على المنطقة بعداً مختلفاً يتعين التوقف أمام دلالاته. قبل شهور قليلة، اشتهر ترامب إبان حملته الانتخابية بحملاته على الدين الإسلامي وأتباعه. وعندما بدأ ترامب يختار كبار معاونيه عقب فوزه بالرئاسة، وقع اختياره في البداية على مايكل فلين كمستشار للأمن القومي، وستيفن بانون كمستشار للشؤون الاستراتيجية، وسباستيان غوركا كمستشار لشؤون مكافحة الإرهاب، وهؤلاء معروفون بمواقفهم السلبية من الإسلام والمسلمين. لذا لم يكن غريباً أن يكون أول قرارات ترامب عقب دخوله البيت الأبيض منع دخول المواطنين من بعض الدول الإسلامية إلى الولايات المتحدة، وهو القرار الذي أوقفه القضاء الأميركي بسبب انتهاكه الدستور.

هذه اللهجة تغيرت بنسبة 180 درجة، ففي الخطاب الذي ألقاه أمام قادة 55 دولة إسلامية، وصف ترامب الإسلام بأنه «من أعظم الديانات في العالم»، وعرض على قادة الدول الإسلامية التي دعيت لمؤتمر الرياض شراكة اعتبرها مفيدة للطرفين، مؤكداً أنها لم تعد فقط ضرورية لكنها ممكنة في الوقت ذاته. فلماذا انتقلت لهجة ترامب من النقيض إلى النقيض؟ توجد مدرستان في تفسير هذا التناقض: الأولى تُرجع هذا التغيير إلى سطوة الدولة الأميركية العميقة التي استشعرت خطورة رجل جاء من خارج المؤسسة الرسمية، وأتاحت له ظروف دولية ومحلية أن يصل إلى البيت الأبيض، على رغم محدودية خبرته السياسية، فقد استطاعت المؤسسات الأميركية وقف ترامب عند حده، بإجباره على التراجع عن بعض قراراته، والتخلي عن مستشاره للأمن القومي، ويبدو أنها قررت أن تشهر في وجهه سلاح التهديد بالعزل خصوصاً بعد قراره الأخير بإقالة النائب العام، كي تضمن استمرار السيطرة عليه وعدم تجاوزه الخطوط الحمراء، فهذه المدرسة ترى أن تغييراً حقيقياً طرأ على مواقف ترامب وسياساته، فرضته ضرورات التأقلم بين ما قد يطرح من شعارات إبان الحملات الانتخابية وما ينبغي أن يكون بعد دخول البيت الأبيض. التفسير الثاني يرجع ما حصل من تغيير إلى تركيبة ترامب الشخصية، وإلى عقليته البراغماتية التي تتعامل مع السياسة كسوق يتنافس فيها كبار التجار، وتتجلى من خلاله قدراتهم على إبرام «الصفقات». وترى هذه المدرسة أن المواقف التي عبر عنها ترامب في الرياض هي مواقف ظرفية، كما ترى أن ترامب رجل لا يمكن التنبؤ بسلوكه.

لا أميل شخصياً إلى تبني أي من هذين التفسيرين. فمواقف ترامب لا تشي بتغير حقيقي في السياسات بمقدار ما تعبر عن ممارسات تعكس رغبة مؤسسات صنع القرار الأميركي في توظيف «الظاهرة الترامبية»، واستغلال الحالة المزاجية التي أوجدتها لاقتناص فرص سياسية لم تكن متاحة من قبل. ومن يراجع المواقف التي عبر عنها ترامب، المرشح الرئاسي، ويقارنها بالسياسات التي تبناها ترامب، سيد البيت الأبيض، في خطابه بالرياض، يسهل عليه أن يكتشف أنهما تتشابهان إلى حد التطابق. فجوهر السياسات التي يتبناها ترامب حالياً، سواء تجاه منطقة الشرق الأوسط أو تجاه مختلف مناطق العالم، تدور حول شعار «أميركا أولاً» الذي أطلقه إبان الحملة الانتخابية، وحرصه على تمكين بلاده من العودة لقيادة النظام العالمي. وفي ما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط، عبر ترامب عن سياسة تختلف عن السياسات التي اعتمدها أوباما، وخاصة في ما يتعلق بمسألتين رئيستين: الموقف من إيران، التي يصر ترامب على التعامل معها كدولة معادية، والموقف من الجماعات الإرهابية التي يرغب ترامب في توسيع تعريفها لتشمل كل التنظيمات التي تمارس العنف وتتبنى أيديولوجيات متطرفة. ولأن موقف ترامب من هاتين المسألتين يروق للكثير من الدول العربية، فقد نجح ترامب في تسويقه. كان لافتاً أن يعلن ترامب في الرياض نجاحه في إبرام اتفاقات تجارية وأمنية مع السعودية. ومن الواضح أنه كان يخاطب المواطن الأميركي الذي وعده ترامب خلال حملته الانتخابية بمزيد من فرص العمل. هذه السياسة هي التي يتوقع أن يحاول ترامب تسويقها للدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي حين يلتقي قادتها بعد أيام، وربما مع اليابان أيضاً. فترامب يصر على أن تتولى الدول التي تطلب الحماية الأميركية أن تدفع كلفتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى