مقالات رأي

عبد الباسط سيدا_ الكرد والإسلام: مخاطر التشدد ومنافع الاعتدال

(آدار برس- المركز الكردي السويدي للدراسات) .. تعود علاقة الكرد مع الإسلام إلى بدايات انتشار هذا الدين. بل هناك من يرى أن صحابياً كردياً اسمه “جابان الكردي” كان من بين أصحاب رسول الله (ص)، وذلك إلى جانب بلال الحبشي وسلمان الفارسي وصهيب الرومي. ومع اعتناق الكرد للدين الجديد، وتمثّلهم قيمه وعقيدته، باتوا من المدافعين المخلصين عنه. وكانوا على الدوام الجند الأوفياء لأولي الأمر من الخلفاء والولاة المسلمين. ولم يفكروا ابداً – حتى وهم في أوج قوتهم خلال المرحلة الأيوبية على سبيل المثال – باستغلال الأوضاع، والسيطرة على مقاليد الأمور تحت راية الإسلام، كما فعل الآخرون، بل ساعدوا الآخرين على بلوغ مآربهم في ميدان السيطرة. ومن ثم كانت المكافأة هي الغدر والقتل وتشويه السمعة والتغييب والتهميش. ولعل تصرّف أبي جعفر المنصور مع أبي مسلم الخراساني مثالٌ على ذلك.

وظل الكرد باستمرار يفرّقون بين جوهر التعاليم الإسلامية وأصالتها من ناحية، وبين سلوكية الخلفاء والولاة وأولياء امور المسلمين بصورة عامة من ناحية ثانية؛ لهذا لم تدفعهم إساءات حكام المسلمين وظلمهم إلى التشكيك في المبادئ الإسلامية ذاتها التي ظلت بالنسبة إليهم سامية. وكانوا – وما زالوا – يتطلعون بشغف إلى اليوم الموعود، اليوم الذي تُطبق فيه التعاليم الإسلامية بروحيتها النقية، البعيدة عن الأخطاء والجرائم التي ترتكب باسم الإسلام. أما تفسير هذا الموقف الكردي الذي يقيم فاصلاً بين عالم المثُل وعالم المحسوسات، وهو فصل يتقاطع في أوجه كثيرة منه مع نظرية المّثل الأفلاطونية الشهيرة، فربما يتم بطريقة ما، من خلال العودة إلى الواقع، واقع المجتمع الكردي نفسه، الذي يتميّز منذ القديم بطابعه الزراعي؛ والمجتمع الزراعي يتسم بجملة من الخصائص من بينها: الانتظار والتواكل والمحاكاة، فضلاً عن إعادة انتاج المعهود. أما على الصعيد القيمي، فإن المجتمع المذكور يفرز الكثير من القيم الخاصة به، في مقدمتها النوايا الحسنة، والثقة بالآخر، والالتزام بالوعود، والتضحية في سبيل الصديق والحليف. كما ان غياب الكيان السياسي الكردي على مدى أكثر من ألفي عام، أدى بدوره إلى غياب مفهوم الدولة في الفكر الكردي على مختلف المستويات. الأمر الذي حال بين الكرد والسعي من أجل تسخير الاسلام لصالح التوجهات السياسية الكردية. وهذا ما أقدمت عليه جميع الأمم التي اعتنقت الإسلام. ونشير هنا – في إطار ما يعني منطقتنا بصورة خاصة – إلى العرب، والفرس، والأتراك الذين قدموا إلى المنطقة بعد مجيء الإسلام، حيث سعى الأتراك إلى امتلاك ناصية القوة، والتغلغل في مختلف الأنحاء، ريثما استتبت لهم الأمور، فسيطروا على الدولة بإسم حماية الدين نفسه الذي استمدت منه الدولة المعنية مشروعيتها.

أما الإمارات الكردية التي كانت موزعة في مختلف أنحاء كردستان خلال الحكم العثماني، والعثماني- الصفوي لاحقاً، فقد كانت في أساسها مناطق تتمتع بنوع من الإدارة الذاتية مقابل الإلتزام بفروض الدولة، سواء العثمانية أم الصفوية؛ ما يكشف النقاب عن الغياب اللافت لمفهوم الدولة في الإرث السياسي الكردي، إذا جاز التعبير. فكان التوجّه المشترك هو السعي لإدارة المجال الحيوي لمنطقة الإمارة نفسها؛ ولعل هذا الأمر هو الذي دفع بأحمدي خاني إلى إطلاق صرخته المدوّية في رائعته (مم وزين) بخصوص ضرورة الاتفاق؛ فقد وجد الشاعر الحكيم أن عدم الإتفاق بين الأمراء الكرد يلزمهم بخدمة الآخرين، في حين أن مجرد الاتفاق كان من شأنه تغيير الموقف بصورة جذرية، ولصالح الكرد من دون شك.

لقد تميّز المجتمع الكردي باستمرار – كحاله الآن- بتدّينه المعتدل، غير المحبذ لنزعات التشدد والإكراه. ونستطيع القول: إنه تحقق نوع من الانسجام بين الإسلام والموروث الثقافي الكردي، ليغدو جزءاً عضوياً فاعلاً من الأخير، من دون أن يحجب الخصوصية الكردية نفسها التي تتجسد بعض ملامحها في الإعتدال والإنفتاح والتواصل والقدرة على التعايش مع الآخر المختلف، الذي يشاركه نزوعه على صعيد التعامل مع الإسلام. هذا في حين أن المتشدد لا يستبعد العنف وسيلة لتحقيق مآربه التي تتخطى دائرة الدين. ويتملّكه توجه سياسي عصبوي، يستغل الدين وقدرته الروحية لبلوغ رغبات دنيوية تخصّ أصحاب الشأن الذين اتقنوا فنون تحوير المفاهيم، وافراغها من محتواها القيمي المثالي، لتكون مجرد قواب إيهامية تُعتمد الإغراء والتعمية، وإشغال الخصوم والمنافسين من اتباع الدين نفسه قبل الآخرين.

تنبّه العديد من المفكرين الكرد الإسلاميين – إذا جاز المصطلح- إلى هذا الناحية (منهم الدكتور محمد صالح گابوري والشيخ عمر غريب)، وطالبوا من دون كلل بضرورة التنبّه لمخاطر استغلال الكرد، سواء ضمن إطار الحركة الاسلامية أم خارجها، باسم ضرورة التمسّك بالمبادئ الإسلامية الخالصة التي تنبذ العصبيات، بما فيها القومية. والغريب في هذا المجال هو ما نلاحظه أن تجاهل الحركات الاسلامية، من فارسية وتركية وعربية، الظلم الشمولي الذي يتعرّض له الشعب الكردي بصورة عامة، ليس مردّه هو النقص في المعلومات، أو قصور ذاتي من جانب الكرد أنفسهم، بل هو تجاهل منهجي مقصود، سببه مواكبة أهواء التعصب القومي لكل فريق، والتحاشي الواعي لأي ذكر أو فعل من شأنه الإسهام في توجيه الأنظار نحو محنة الشعب الكردي التي تستوجب – انطلاقاً من التعاليم الإسلامية- تضافر جهود جميع المسلمين من أجل رفع المظالم عن كاهل هذا الشعب، واسترجاع الحقوق، والتعويض عن الأضرار اللاحقة به. إلا أن الجهود مستمرة لإستقطاب الطاقات الكردية، ووضعها في خدمة مشاريع اسلامية قومية تخص القوميات الاسلامية الأكبر في المنطقة، وهي التي تقتسم كردستان فيما بينها، وتحرص باستمرار على التعمية وتلطيف الأجواء بعبارات مجاملة خاوية، لا تخدم سوى مشاريع المهيمنين وخططهم الرامية إلى إنكار الحق الكردي، بل وإلغاء الوجود الكردي إذا ما تيّسر لهم ذلك. ولعل ما يجري اليوم في كردستان – تركيا يُعد مثالاً يؤكد ما نذهب إليه؛ إذ تقوم الحكومة الإسلامية عبر مؤسساتها الإجتماعية والإنسانية والخدماتية المتشعبة بعملية تهدئة الأوضاع بين السكان، وتسعى من أجل كسب ودّهم وتأييدهم، مقابل خدمات آنية، لكنها في الوقت ذاته تقف بقوة إلى جانب حملات التتريك، وتساهم في عملية الغاء الشخصية القومية للشعب الكردي هناك، وتتفاهم مع القوى الاقليمية على اتخاذ جملة من التدابير الاحترازية التي تخدم الأهداف المشتركة للقوى المعنية، وهي تتمحور حول رفض الإعتراف بالحق الكردي، هذا مع الا عتراف بأن الأمور باتت أفضل نسبياً في السنوات الأخيرة، ولكن الكثير من العمل المطلوب ما زال منتظراً.

والأمر ذاته في كردستان ايران؛ فعلى الرغم من الخصوصية المذهبية هناك، لأن الكرد في غالبيتهم هم من اتباع المذهب السني، فإن النظام الإيراني الذي اتخذ من الإسلام ايديولوجية يتكئ عليها لتوسيع دائرة النفوذ والسيطرة، ويسعى بكل امكانياته من اجل استمالة من يتجاوب معه من الكرد، ليضعهم في مواجهة المشروع القومي الكردي العادل.

في سورية، الوضعية مغايرة إلى حدٍ ما، نظراً لتعرّض الحركات الإسلامية الأساسية صاحبة التاريخ والتقاليد نفسها للإضطهاد والملاحقة. أما الحركات الأخرى المرتبطة بالدولة فأمرها مكشوف للقاصي والداني. ولم تتمكن بعد – على الرغم من الجهود الحثيثة – من تثبيت أقدامها ضمن المجتمع الكردي في سورية. مع الأخذ بعين الاعتبار بأنها قد تمكنت من بناء العلاقات مع مجموعة من الأفراد الذين لم يتمكنوا من التأثير في مجتمعهم. وبالتالي لم تتحول جهودهم إلى حالة ثابتة، يُراعى وضعها في أي تقييم سياسي لخارطة توزع القوى في المجتمع الكردي.

الوضع في العراق أكثر تعقيداً وتداخلاً؛ إذ يحاول النظام الإيراني بشتى السبل استمالة الحركات الإسلامية الموجودة هناك. ويعمل على إنشاء حركات جديدة، تلتزم خطه، وتسير وفق توجهاته وأوامره.  يستغل في هذا الميدان حالة التديّن العامة في المجتمع الكردي، فضلاً عن تقاعس الحركات الإسلامية العربية عن بلورة معالم موقف موضوعي من المسألة الكردية، هذا إن لم نقل اتفاقها في العديد من الموضوعات مع التوجهات العصبوية لبعض القوى العربية القومية المتشددة، المنغلقة على ذواتها، غير المستعدة للإعتراف بماهية الأمور، بل انها ما زالت اسيرة المنظومة المفهومية لايديولوجيتها اللاعقلانية، ولعل تجربة داعش والتعاطف الذي حظيت به في بعض أوساط الإسلام السياسي عربياً، تعتبر مثالاً يستوقف في هذا المجال.                      .

والعامل الأهم الذي يساعد الجهود الإيرانية على الانتعاش وتحقيق بعض النجاحات، يتمثل في واقع الفساد المتفشي ضمن الإدراة الكردية في اقليم كردستان – العراق. وربّ قائل يقول هنا: وما العيب في ذلك، فالفساد منتشر في المنطقة بأسرها، وفي العراق بأكلمه. ونحن جزء من المنطقة، ومن العراق تحديداً. لذلك من الطبيعي أن نتعرض لقسم من الأمراض السارية بين الجميع. ولكن هذا عذر أقبح من الذنب؛ وهو لا يسوّغ ما هو قائم. فنحن جميعاً ندرك مدى التحديات الراهنة، وتلك القادمة. ومهما كانت المخاطر التي تهدد مجتمعات المنطقة، فهي تمتلك كياناتها السياسية، ومعترف بحدودها وحقوقها. في حين أن الجميع يترصد، ويعمل من أجل الغاء الوجود الكردي، وبأي ثمن. واللافت في هذا المجال ان هذا الهدف غير المقدس بطبيعته يمثّل قاسماّ مشتركاّ بين الاتجاهات القومية العصبوية السائدة في المنطقة، بغض النظر عن الانتماء القومي، والتوجه السياسي من يساري علماني إلى قومي محافظ، مرواً بالديني المتستر بلباس الإسلام، وهو الدين الذي يعتنقه القسم الغالب من الكرد.

أما مخاطر الفساد الأساسية على المجتمع الكردي في كردستان العراق، فهي تتشخص في انشغال المسؤولين بهموم ومشكلات هامشية تحول بينهم وبين التركيز على القضايا المؤرقة التي تتصل بمستقبل المنطقة، ومستقبل الكرد على وجه التخصيص. كما انها تتجلى في عوامل التبرم والشكوى والاختلاف، الأمر الذي يمكن أن يستغل بكل حنكة وودهاء من قبل القوى الإسلامية الموجّهة المدعومة من الخارج؛ وهي قوى موجودة تستند إلى خبرات عقود من السنين.

وما نعتقده في هذا المجال هو أن عوامل التاريخ والجغرافيا تسهّل من تعميق الوشائج، وتوسيع إطارها عبر قوى تستفيد من الأخطاء المتراكمة، وتستغل حالة التدين السائدة. وإن مواجهة المخاطر الموجودة الفاعلة، وتلك المحتملة لن تتحقق من دون جهود مركزة واعية، تعالج الأخطاء الملموسة، وتتعامل بعقلية مفتوحة مع التيارات الدينية المعتدلة التي تعبر عن توجهات قطاعات واسعة من المجتمع الكردي، وتدافع عن حقوق الشعب الكردي، إنطلاقاً من قناعاتها الإسلامية غير المتشددة القادرة على التحاور والاتفاق مع الاتجاهات والمكوّنات الأخرى العلمانية والقومية والدينية. وفي المقابل، لابد ن التنبه لمخاطر الحركات الإسلامية الوافدة التي تتحرك نحو أهداف مرسومة لها من شأنها – فيما لو تحققت – الإساءة إلى العمل الكردي المشروع في ميدان رفع الحيف، وتأمين الحقوق المهضومة التي كان من المفروض أن تكون الهدف المشترك لجميع الحركات الإسلامية في المنطقة، إذا ما كانت تلتزم بالفعل – لا بالقول المضلّل – التعاليم الإسلامية السمحاء التي تدعو إلى الإخاء والمساواة بين جميع الشعوب، لاسيما المسلمة منها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى