مقالات رأي

دلبرين فارس- دمقرطة الربوع الخالية

(آدار برس) .. السؤالُ الهامُ؛ والذي أصبحَ في طيّ الكتمانِ والنسيان، وعلينا بدورنا أن نبحثَ عنهُ هو، هل كانَ جموعُ المتظاهرينَ المنتفضينَ في بلدانِ “الربيعِ العربيّ” والذينَ كانوا يهددونَ بإسقاطِ عروشِ أسيادهم، يطالبونَ بالحريةِ والديمقراطيةِ وبانتخاباتٍ نزيهةٍ ومحاربةِ الفساد…. نُدِموا على فِعلتهم ؟، أمْ أنهم وقعوا في شركِ وفِخاخِ تياراتٍ وإيديولوجياتٍ عابرةٍ لكلِّ المفاهيمِ المذكورة..؟، وهل وصلَ الحالُ بالمجتمعاتِ الشرق أوسطية، وأخصُ بالذكرِ المجتمعاتُ العربية لذلكَ النضوجِ الفكريِّ الرحب، والذي يستوعبُ قضايا كبيرةً تُهيّأ للتغييرِ والثورةِ بكلِّ مفاصلها لعيشِ ربيعٍ حقيقي، يكونُ الحاكمُ والفاعلُ فيهِ هم الشعوبُ أنفسهم، أم إنًّ انكماشَ وجمودَ الحالةِ الفكريةِ الثوريةِ والتي أُسستْ لها طيلة 100 عامٍ وأكثر، قد ادمجتْ في نخاعِ هذهِ المجتمعات، والتي لطالما اعتادتْ الخنوعَ والانسياقَ لكلِّ طاغٍ.

في هذا القول لا أودُّ الغوصَ في تفاصيلٍ وشروحٍ عن قضايا الثورةِ والربيعِ أو الخريفِ العربيِّ كما يحلو للبعض،  فالواقعُ وناتجُ أكثرَ من سبعِ سنواتٍ من الصراعِ يشيرُ إلى مدى الانحطاطِ والانحدارِ في المستوى  السياسيِّ والفكريِّ وحتى الأخلاقي، الذي توصلَ إليهِ النخبةُ “المُسقّفة” في  بعضِ تلكَ البلدان، وحتى هؤلاءَ الذينَ يغردونَ في خارجِ أوطانهم، متذرعونَ  بالتعارضِ وحداثةِ الفكر.

إذن يمكنُ الاستنتاجُ وبشكلٍ مبسطٍ منْ خلالِ استقراءِ الوقائعِ أن هذا الانحدارَ وحالةَ التهورِ يعودُ إلى أمدٍ بعيد، فـ “العالمُ العربيُّ” إن لم نقّل الشرقَ أوسطيّ بعمومه، لم يجد نفسهُ طوالَ ألفِ عامٍ وأكثر بحالةٍ من الاستقرارِ الطبيعيِّ خارجَ إطارٍ غيرِ حكوميٍّ تسلطيٍّ  دولتيّ. وهنا نستثني منهُ التجمعاتُ الخارجةُ عن أسوارِ منظومةِ الدولة، هذا الضعفُ المزمنُ في المجتمعِ  يشيرُ إلى أنَّ الثوراتَ القائمةَ على ميراثٍ من العبوديةِ والانسياقِ الأعمى؛ لنْ تُجلبَ بديمقراطياتٍ  قابلةٍ للحياة، طالما إنَّ القادةَ أو منْ يَدَّعونَ القيادةَ في هذا التغييرِ الحاصلِ في الميدانِ العربيّ هم أنفسهم مرتهنونَ لأنظمةٍ وإيديولوجياتٍ سلطوية، مهووسونَ  بالهواجسِ مرتبكونَ منقلبونَ متحولون.

يمكنُ القولُ إنَّ النتيجةَ الفوريةَ الأكثرَ احتمالاً للصراعِ الضحلِ الحالي، هي مجيءُ مجموعةٍ جديدةٍ من القابعينَ الكلاسيكيين،  ويمكنُ أنْ نستشهدَ بنموذجِ (مرسي) والذي كانَ خيّرُ دليلٍ على النماذجِ السياسيةِ والفكريةِ التي طُرِحَتْ كبديلٍ لنظامِ (مبارك) الدكتاتوريِّ الفرديّ.

ووفقاً لمعطياتِ الواقعِ؛ فأنًّ غالبيةَ البلدانِ العربيةِ لم ولن تنضج، وفقَ الاستبياناتِ والمؤشراتِ الميدانية، فيها الشروطُ الديمقراطية والأخلاقية، لنموذجٍ ديمقراطيٍّ يكونُ الفيصلُ فيهِ الشعوب، وهذا الأمرُ ينطبقُ على الشرقِ الأوسطِ الهابطِ بعموميته إلى اللحظة، وأيُّ محاولةٍ لتسويقِ أشكالٍ عرجاءَ من الديمقراطياتِ المموهةِ سيكونُ وبالاً وأكثرَ وطأةً منْ حكمِ الديكتاتورياتِ القوميةِ الساقطةِ أو تلكَ التي لازالتْ في أطوارِ السقوط.

إنَّ إضعافَ وتسيسَ وتأليبَ وسائلِ الإعلامِ ضدَّ أصحابِ الفكرِ الحر، والتصدعِ الفكريِّ وتهميشِ الأصوات، والارتهانُ للتحالفاتِ الإقليمية (التركية والإيرانية)، والتي تعملُ على تسويقِ وتمريرِ منتجها ونموذجها السلطويّ عبرَ المرتهنين إليهم، كانَ لهُ النصيبَ الأكبرَ في حالةِ الهبوطِ والانجرافِ نحو الهاوية.

على الصعيدِ المجتمعيِّ المدنيِّ  يمكنُ القولُ، وإضافةً إلى تلكَ الأسبابِ المذكورةِ فأنَّ أسباباً تاريخيةً تتجاوزُ سياساتَ الحُكامِ الحديثة، كانتْ خلفَ حالةِ الانكماشِ الثوريِّ المنتفضِ للمجتمعاتِ التي خرجتْ مطالبةً بالتغيير.

فالمجتمعُ كانَ محكومٌ  بإطارٍ دينيٍّ سياسيٍّ سلطويٍّ قريبٍ جداً من نموذجِ عصاباتِ “المافيا” ، وهو ما أحالَ دونَ نشوءِ منظماتٍ ومؤسساتٍ مدنيةٍ نابعةٍ من المجتمع، وتُعَبِّرِ عن إرادته، لا بل إنَّ حالةَ القمعِ التي كانتْ تتعرضُ لها أيُّ منظمةٍ كانتْ تطفو على السطح، السببُ الأبرزُ في حالةِ النكوصِ الاجتماعيِّ، وعدمِ قدرةِ الشعوبِ على النهوضِ وبقائهِ تحتَ رحمةِ أجهزةِ السلطةِ بكلِّ تفرعاتها وتسمياتها الرنانة.

 هذهِ البيئةُ السياسيةُ التي عرفتها الشرقُ الأوسطُ عموماً منعتْ  من قيامِ أيِّ مؤسسةٍ ديمقراطيةٍ شعبيةٍ من أن تثبتَ لها قدماً على الأرض، وتًحوَلَ بذلكَ الشعبَ إلى رعيةٍ تجيدُ التسولَ بكلِ فنونه.

من هنا فإنَّ الدولةَ لم تكنْ قطُّ مؤسسةَ إدارة وسياسة ومجتمع، بقدرِ ما كانتْ هيكليةٌ منظمةٌ دقيقةٌ اقتصاديةٌ ربحيةٌ احتكاريةٌ قمعية.

حتى المؤسسةُ الدينية في العالمِ العربيِّ والشرقِ أوسطيّ، والتي كانتْ بمثابةِ الجهةِ المرجوةِ الرادعةِ لتمادي السلطةِ بشقيها الشرعيِّ والأخلاقيّ، فقدْ تحولتْ بشكلٍ أسرعَ مما كانَ متوقعاً إلى الشريكِ الأساسيِّ الحاكمِ لمنظومةِ الدولةِ الفاسدة.

ومنْ خلالِ ملاحظتنا للتطوراتِ الراهنةِ نرى إنَّ مجتمعاتَ الربيعِ العربيِّ قد تناثرتْ وخُزِقتْ بمجردِ اهتزازٍ في بنيانِ الدولةِ التي كانتْ تحكمهُ بالحديدِ والنارِ، وتحاسبهُ في لقمةِ عيشه، أما بالنسبةِ لكلِّ المؤسساتِ التي ترعرعتْ في كنفِ الدولةِ فقد أظهرتْ على افراغها من كلِّ معناها المؤسساتيِّ والمدني.

فمصداقيةُ التقاريرِ التي تعتمدُ عليها الغالبيةُ العظمى من مؤسساتِ الدولةِ ذاتها ومنْ القوى التي تعتبرُ نفسها في تعارضٍ مع نظامِ الدولةِ ومنظومتها، والتي أسَستْ لنفسها هيكليةٍ ومنظومةٍ على شاكلةِ الدولةِ بإطارها النظريِّ والعمليِّ سواءٌ في الداخلِ أو الخارج، وهي على أهبةِ الاستعدادِ لأن تستلمَ مقاليدَ الحكمِ فقد اعتمدتْ كلياً على التقاريرِ الخارجية ” المنظماتُ الأوروبية” وهذا دليلٌ على عدمِ ثقةِ الطرفين بمنظوماتها، والتي يغلبُ عليها كما أسلفنا طابعَ الاحتكارِ والتسلط.

يمكنُ القولُ إنَّ ما أُنِجِّزَ حتى هذهِ اللحظةِ على الصعيدِ العربيِّ وثوراتهُ العرجاء لم يتجاوز حالةَ الفوضى والصراعَ القديمَ الحديثَ بينَ كِباشِ السلطةِ وطامحيها.

رغمَ ذلكَ يمكنُ لبذورٍ من التفاؤلِ أن تنبتَ في الربوعِ الخالية، ونتحدثُ هنا عن بعضِ التفاؤلِ المتعلقِ ببزوغِ فجرِ الديمقراطيةِ في الشرقِ الأوسط، فليسَ من الضروريِّ أن يبدأ “العالمُ العربيُّ” من الصفر، فهناكَ بالفعلِ جهودٌ تبذلُ رغمَ ضعفها وقلةِ حيلتها، وإنْ كانتْ في طورِها الجنيني، لكنها انتجتْ نموذجاً ديمقراطياً شعبياً أكثرَ تسامحاً وتوافقاً مع مفهومِ السياسةِ والديمقراطية، وأشيرُ هنا  إلى التجربةِ الوليدةِ في الشمالِ السوري، هذهِ التجربةُ التي حققتْ إلى الآن قفزاتٍ نوعيةٍ في المجالِ الإداريِّ والسياسيِّ والثقافيِّ والاقتصاديّ، وعلى الصعيدِ السوريِّ والعربيِّ والدوليّ، رغمَ أنها في حالةِ صراعٍ وحربٍ ضروس، لأكثرَ من خمسِ سنواتٍ مع القوى الإقليميةِ الصاعدةِ حليفتها تنظيمُ القتامةِ والدموية، إلا وهو تنظيمُ القاعدةِ الإرهابيّ بفرعيها جبهةُ النصرة وداعش.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى