مقالات رأي

عبد الله جعفر كوفلي- عسكرة المنطقة بداية لتقسيمها

(آدار برس- كوردستان24)..تعد القوة العسكرية الركيزة الأساسية لبناء أي كيان سياسي مهما كان الاختلاف في المسميات وذلك لحمايتها من التهديدات الخارجية والمؤامرات الداخلية، ومن جانب آخر لتطبيق الأفكار التوسعية التي يمتلكها ذلك الكيان على حساب المناطق الأخرى، لذا فأنّّ قوة الدولة تكمن في قوتها العسكرية بالعدد والعدة وذلك لأن فكرة الاحتلال والاستيلاء وتحقيق الأطماع لزم الإنسان منذ وجوده، وان بروز فكرة الأمن القومي كمصطلح في بداية القرن المنصرم ارتبط بشكل وثيق بمدى امتلاك الدول للقوة العسكرية ودرجة تدريبها ونوع الأسلحة ودخولها في تحالفات عسكرية وبعدها توسعت لتشمل جوانب أخرى مثل الأمن الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي و….. الخ، وكثيراً ما كانت الدول تقترب من اشعال فتيل حروب دامية لولا خوفها من دمار المنطقة وخرابها، ولكن في مرات عديدة خرجت من إطار سيطرتها ولجأت الدول إلى استخدام القوة العسكرية معلنة حرب شرسة باعتبارها الشكل النهائي للعلاقات فيما بينها لحل القضايا العالقة، وكانت تنتهي هذه الحروب بتغير في ديموغرافية تلك المنطقة وتخلف وراءها الدمار والأمراض والتشرد ومشاكل الثأر والانتقام، والأهم من ذلك تغير في خارطة المنطقة فكانت نتيجة الحربين العالميين في القرن الماضي ظهور كيانات سياسية جديدة بعد اختفاء السابق منها، وان الدول المنتصرة في الحروب تحافظ على نفوذها بإنشاء المعسكرات لقواتها داخل الأراضي التي تحتلها لكي تستطيع فرض سياستها وحماية مصالحها.

إن منطقة الشرق الأوسط كانت موضعاً للصراعات منذ القدم بين القوى المتصارعة لذا فأنّ التغيير في الحدود والأنظمة السياسية الحاكمة سمة بارزة لهذه المنطقة، بل وأكثرها شيوعاً.

فعلى سبيل المثال لا الحصر عند احتلال بريطانيا للعراق عام 1917 ومن أجل بسط نفوذها لجأت إلى عسكرة المنطقة بإنشاء معسكرات عديدة في الجنوب والشمال والوسط في سبيل حماية الكيان الذي أنشأه بعد انهيار (الرجل المريض) الدولة العثمانية، وكذلك فعلت أمريكا عند حرب تحرير العراق عام 2003، حيث بنت معسكرات لقواتها في مناطق عديدة، ولكنها اضطرت إلى سحبها عام 2011 مدركة بخطورة قرارها وانها تركت وراءها آثار جمة، وبعد ظهور “داعش” كجماعة إرهابية على انقاض الجماعات الإرهابية السابقة ولكنها بزي وتخطيط مختلف، حيث أعاد الإنسان إلى العهود القديمة دون إعمار وتاريخ ورفاهية وسيطرتها على أراض واسعة في العراق و سوريا لأسباب مختلفة ومتعددة دخلت أمريكا إلى العراق تحت غطاء التحالف الدولي لمحاربة “داعش” لتحقيق الغرض السابق من دخولها بعسكرة المنطقة وحماية مصالحها وإعادة رسم المنطقة.

إن فكرة عسكرة المنطقة تتفاقم يوماً بعد آخر، فبعد ان كان مقتصراً على الدول الكبرى حيث بدأت الدول الأقل وزناً في التأثير على العلاقات والسياسية الدولية تحذوا حذوها وتنشر قواتها العسكرية في العديد من المناطق في سبيل أطماعها التوسعية، مثل إيران وتركيا والسعودية، حيث باتت المنطقة شبه عسكرية فلا يكاد يخلو دولة من وجود معسكرات لدول أخرى سواء بالاتفاق أو الاضطرار أو ان الحاجة تقتضي ذلك.

وإن الدول تتسابق وتتصارع فيما بينها ويظهر ذلك بشكل واضح بين كل من أمريكا وروسيا في العراق وسوريا، وان وجود هذه المعسكرات تجعل الأبواب مفتوحة أمام إشعال فتيل الحروب بصورة مباشرة أو بالوكالة، وان هذه الدول تدافع بشكل مستميت عن وجودها العسكري في تلك المناطق باعتبارها جزءاً مهماً من استراتيجيتها العسكرية والأمنية ضد التهديدات الخارجية والداخلية ولأنها لا تجني للمنطقة سوى الدمار و الخراب و مزيد من حقن دماء الأطفال والنساء والتشرد، وان بناء المعسكرات كانت ولاتزال بداية لإعادة رسم المنطقة وتقسيمها وفق منطق القوة الحاكم، لذا فان التاريخ دائماً في تجدد والسؤال الذي يفرض نفسه هل ان العسكرة الحالية سيكون بداية لتأسيس دولة او كيان كُردستاني مستقل أو يذوق الكُرد مرارة ما ذاقوه من قبل ويقعون فريسة للمصالح والاتفاقات السرية خلف الجدران، هذا ما سيكشفه الأيام القادمة، ولكن الأمل و التفاؤل يرسمان على جبينهم هذه المرة لقدرتهم على قراءة أحداث المنطقة وفق ما يروق لهم وبذلوا المزيد من الجهود في استثمار هذه الفرصة، كما انهم قد خرجوا من العزلة السابقة نحو آفاق رهبة ونجحوا في جذب انظار العالم المتمدن، واثبتوا جدارتهم في محاربة الإرهاب وحماية الأمن العالمي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى