مقالات رأي

نور الدين عمر- الأزمة السورية بين الحل وشرعنة التقسيم

(آدار برس) .. يتفق معظم المحللين والمراقبين للوضع السوري، أن سوريا تحولت من دولة مركزية متشددة إلى مجموعات من الدويلات ومناطق النفوذ، وبات من المستحيل العودة إلى عهدها السابق.

فعهد الدولة المركزية التي يحكمها شخص واحد قد ولّى بدون رجعة. ولم يعد بالإمكان السيطرة على كافة المكونات بنظام دكتاتوري متشدد. وإن كان ما يزال هناك من يتأمل عودة الماضي بكل تفاصيله وتفرعاته وخاصة من أصحاب العقليات الشوفينية والعفلقية الذين ما زالوا يعيشون أوهام الماضي، ويعتقدون أن كل ما حدث هو مجرد مؤامرة ستنتهي قريباً ويعود كل شيء إلى سابق عهده.

بالمقابل هناك من يعتقد أن الثورة انتهت، وانتصرت روسيا (وليس النظام) وأصبحت سوريا مجرد دولة خاضعة للانتداب الروسي، على غرار الانتداب الفرنسي على سوريا سابقا. وسيقرر الروس كل التفاصيل؛ من الدستور والحكم والقوى المشاركة ونظام الحكم، ولن يكون لأي قوة إقليمية أو دولية أو محلية أي دور في سوريا خارج سيطرة روسيا، وحتى الولايات المتحدة الأمريكية سيكون دورها هامشياً أمام الدور الروسي.

هناك أيضاً من يعتقد أن سوريا ستخضع إلى إيران على غرار العراق وسيكون لها الدور الابرز في كل ما يخص مستقبل سوريا. وهي عبر تدخلها المباشر والقوي في الساحة مع وجود الآلاف من المليشيات والقوى الشيعية الأخرى تسيطر على الأرض، وهي ستجبر كل القوى الأخرى على الخروج مهزومة، وعلى غرار ما فعلته بالقوات الأميركية في العراق ستشكل في سوريا أيضاً مليشيات لمقاومة القوات الأجنبية وعلى رأس تلك القوات، القوات الأميركية وستجبرها على الانسحاب وترك الساحة لها.

لكن هناك من يعتقد أيضاً أن سوريا أصبحت مجرد دويلات وكانتونات ومناطق نفوذ باتفاق قوى دولية وإقليمية. والتقسيم لا مناص منه وإن كان الجميع يحاول تبرئة نفسه منها. فمناطق النفوذ الأميركية والروسية والتركية والإيرانية وإن كانت متداخلة لكنها أصبحت واقع لا يمكن إنكاره. وما سميت باتفاقيات أستانة لتشكيل مناطق “منخفضة التصعيد “والتي تضم مناطق واسعة من الساحة السورية. وكذلك التفاهمات الروسية-الأميركية لتشكيل مناطق عدم التصعيد في الشمال وجنوب والبادية. وأيضا التدخل التركي المباشر في مناطق إعزاز وجرابلس والباب بدون أي معارضة جدية من روسيا وإيران والولايات المتحدة، أيضاً عدم وجود أي اشتباكات بين روسيا وإيران والولايات المتحدة وتركيا كلها أدلة على وجود اتفاقات وتفاهمات بين تلك الدول والقوى لتقسيم سوريا إلى مناطق نفوذ قد يستمر ذلك لعشرات السنوات الأخرى. وإن كانت الأزمة السورية أزمة معقدة ومتشابكة، ولا يمكن التكهن بما سيحدث بدقة، فالخيارات عديدة، وتعتمد على فعالية ونشاط القوى العسكرية والسياسية على الأرض.

لكن التقسيم ليس هو الحل المنطقي للأزمة السورية وهو ما يتفق عليه الجميع (ولو من الناحية النظرية) بما فيها القوى الدولية والإقليمية والمعارضة والنظام. و ايضا العودة إلى نظام الدولة المركزية المتشددة سيكون أسوء من التقسيم و لن يكون حلا، مع استحالة العودة اصلا إلى ذلك النظام.

لا يبقى أمام السوريين سوى النضال من أجل تأسيس دولة ديمقراطية لامركزية تتشارك كافة المكونات فيها عبر نظام فيدرالي يحقق الحرية والعدالة للجميع، دون إقصاء أي مكون عرقي أو ديني. ليس من مصلحة أي مكون في سوريا تقسيم البلد بما فيهم الشعب الكردي الذي يتعرض إلى حملات منظمة ومقصودة لإظهاره وكأنه المكون الوحيد الذي يسعى لتقسيم سوريا، رغم أن الواقع يقول انه أكثر مكون يحاول الحفاظ على وحدة سوريا.

الثورة بعقول البعض انتهت (مع الأسف من بعض العقول المعارضة) بسقوط حلب والبعض من المناطق الأخرى التي كانت تحكمها جماعات مسلحة اسلامية متشددة. وكإن الثورة هي ما يقوم بها هذه المجموعات المتطرفة التابعة لقوى إقليمية لا تسعى إلا إلى تدمير سوريا.

الدور الروسي مهم ومؤثر في الساحة السورية ولا يمكن إنكار ذلك، لكنها وإن كانت دولة انتداب فيها؛ في مناطق سيطرة النظام فقط أي في 30% من الساحة السورية. ويبقى 70% حاليا خارج سيطرتها وتأثيرها والنفوذ الأميركي بهذه المعنى لا يقل عن النفوذ الروسي بل ربما أكثر منه باعتبارها تدعم قوة تسعى إلى التغير والتجديد بعكس الروس المتمسكين بنظام سينتهي عاجلا أو آجلا.

لكن السؤال الأهم هو هل من الممكن أن تقوم روسيا بإجبار الولايات المتحدة على الخروج من سوريا؟ أو هل من الممكن أن تقول الولايات المتحدة بسحب قوتها بمجرد الانتهاء من معارك داعش؟

انسحاب القوات الامريكية من سوريا في المدى المنظور صعب، فهي لن تعيد تجربة العراق في سوريا التي كانت من نتائج انسحابها منها هو زيادة النفوذ الإيراني فيها أولا، واحتلال داعش لنصف المساحة العراقية ثانيا. وأنا باعتقادي لن يكون هناك أي انسحابات لا من روسيا ولا من الولايات المتحدة الأمريكية ولا من تركيا ولا من إيران بسهولة، إلا في حال اتفاق الأطراف السورية على حل منطقي وتوافقي يحافظ على وحدة البلد ويحقق طموحات كافة المكونات السورية.

المحافظة على وحدة البلد، وجعله دولة قوية ومؤثرة، وإجبار كل القوى الدولية والإقليمية على الانسحاب يقع على كاهل القوى الوطنية والديمقراطية السورية المؤمنة بحل توافقي حقيقي بعيداً عن العقلية الشوفينية والإقصائية.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى