مقالات رأي

طلال محمد- عن خيباتِ أردوغان

 

خابَ ظنّهُ؛ خابَ ظنّ الطربوش العثماني الجديد “أردوغان” مراتٍ عديدة، وسيخيبُ أيضاً مراتٍ ومراتٍ مستقبلاً. خابَ ظنّه مرةً حينَ توقّعَ أن تولّيه زمامَ المعارضة السورية سيمنع الكُردَ من رفعِ رؤوسهم وسيردع حناجرهم من المطالبةِ بحقوقهم وطرحِ قضاياهم، فكانت النتيجة عكساً.

وخابَ ظنّه مرةً حين توقّعَ أن فتحهِ الحدودَ أمامَ الإرهاب والإرهابيينَ ودعمهم ثم دفعهم إلى شنِّ هجماتٍ ضدَّ الكُردَ في مناطقهم بشمالِ سوريا، كـ سري كانيه وكوباني وغيرهما، لكسرِ إرادة هذا الشعب وتحطيم مكتسباته، ستجدي نفعاً لأحلامهِ، فكانت النتيجة عكساً أيضاً.

وخابَ ظنّهُ مرةً أخرى حينَ توقّعَ أن إطلاقه وإعلامه صفةَ «الإرهاب» على وحداتِ حماية الشعب، سيشوّهُ صورةَ هذه الوحدات في نظرِ المجتمعِ الدولي، فكانت النتيجة عكساً، إذ اتّخذَ العالمُ بشطرهِ الأكبر من هذه الوحداتِ حليفةً له في محاربة الإرهابِ الذي يدعمه “أردوغان”، وأمدّها بالسلاحِ والذخيرةِ على عكس ما تشتهيهِ سفنُ أردوغان التي تسيرُ بدونِ شراعٍ على ما يبدو.

خيبةٌ تلو خيبة، واليوم، بعدَ كلِّ هذه الخيبات، وبعدَ أن تيقّنَ الطربوش العثماني من أن ما سبقَ لم ولن يجدي نفعاً في حربهِ ضدَّ الإرادة الكُردية في سوريا، دفعَ بجيشهِ ومرتزقتهِ نحو عفرين بصورةٍ مباشرة، في خيبةٍ جديدةٍ خسرَ فيها حتى الآن المئاتَ من جنودهِ وتوابعه والعشراتَ من دبّاباته ومدرّعاته..

ولعلَّ هذه الخيبة تعدُّ أكثر خيباته ألماً، إذ كانَ يعتقدُ أن جيشهُ سيدخل عفرين في غضونِ أيامٍ وسيرفعُ علمه ذو التاريخ الدموي، في منتصف المدينة، لكنَّ ما حصلَ لم يكن ما يتوقّعه، فرغمَ الضوء الأخضر الروسي له، والصمت الدولي حيالَ انتهاكاته، إضافةً إلى الصمت الأميركي، وضحالة التغطية الإعلاميّة الدولية لحقيقة ما يحصل وحقيقة الخسائر الكبيرة للجيش التركي والفصائل التابعة له، رغمَ كلّ هذه النقاط التي تُحسب لصالح تركيا في عدوانها ضدَّ عفرين، إلا أن جيشها لم يتمكّن من التقدّم بالشكل الذي كانَ يخطّط له “أردوغان” ويتوقّعه، نتيجةَ المقاومة التاريخية الفذّة التي أبدتها وتبديها وحدات حماية الشعب والمرأة بمساندةٍ متماسكةٍ من الشعب، وهو ما شكّلَ صفعةً لتركيا وتحطيماً لهالتها التي يحاول “أردوغان” منذ بدء الاحتجاجات في سوريا تقويتها وفرضها داخلياً وخارجياً.

إن مقاومة عفرين، أو بالأصح “مقاومة العصر”، أثبتت من جديدٍ أن الكردَ في سوريا ليسوا رقماً سهلاً يمكنُ تجاوزه ببساطة، وأنَّ لا حلَّ لسوريا من دونِ أن يكونوا جزءاً أساسياً منه، كما أنها أثبتت أن قوةَ الشعوب وإرادتها لا يمكن أن تُقهر بآلة العنف والقمع التي تستخدمها الأنظمة الديكتاتورية، مهما كانت قوة هذه الأنظمة وجيوشها.. وسواءً استمرّت العملية العسكرية التركية ضدَّ عفرين أم لم تستمر، فهي فشلت وسقطت عملياً، ولعلَّ استخدام الجيش التركي أسلحةً محرّمةً دولياً، واستهدافه المباشر للمدنيين والمراكز الطبية في المقاطعة، وغيرها من الانتهاكات والجرائم، أبرز وثيقةٍ على حجم خسائر تركيا التي يحاول إعلامها إخفاءها، وأبرزُ دليلٍ على فشل عمليتها عسكرياً وسياسياً.

حتى الآن، لم يحصد “أردوغان” من حربه ضدَّ الكُرد في شمال سوريا، سوى الخيبة، ولا نعتقدُ أن يحصدَ سوى ذلك، مادام هناك شعبٌ متماسك، ومادام هناك إرادةٌ لا ترضى الرضوخ.. فما الذي بقي لأردوغان ولم يستخدمه بعد؟.. استخدامه الإرهاب والإرهابيين في حربه ضدَّ الكُرد باءَ بالفشل، واستخدامه للفصائل المعارضة في الغرض ذاته باءَ بالفشلِ أيضاً، ومحاولاته السياسية على المستوى الدولي للهدف نفسه لم تنفع أيضاً، وأخيراً دخول جيشه بشكلٍ مباشر في هذه الحرب لم يغيّر شيئاً ولن يغيّر.. فما الذي لم يستخدمه أردوغان بعد؟.. الأيام القادمة ستبيّن ذلك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى