مقالات رأي

محمد أرسلان- عفرين وصراع الآلهة

(آدار برس- صدى البلد) .. المعركة الدائرة منذ الخمسين يومًا في وعلى عفرين أثبتت لكل من يمتلك بصيص من المعرفة التاريخية والمجتمعية، أنَّ من تفرعنوا على المجتمعات ما زالوا أحياء يرزقون يسعون بكل جبروتهم أن يستمروا في طغيانهم وظلمهم، ليجعلوا من الشعوب عبيدًا يبنون من خلاله مجدًا زائلًا لا يمكن أن يكون أزليًا.

مرحلة تاريخية نعيشها بكل تفاصيلها المأساوية والتي سيولد معها مناخًا من التعايش الانساني وتحطيم الآلهة المقنعة الذين جعلوا من نفسهم أولياء الله على الأرض، وما همّ إلا دجالين ومنافقين يدَّعون الدين وليس لهم أية علاقة بأخلاقيات الدين ولا روحه السَمِحة.

ظهر الكثير ممن جعل من نفسه نمرودًا أو فرعونًا على العباد وكانت أدواته القتل والحرق والرجم وكل ذلك كان يتم باسم الرب وأنهم على كل شيء مسيطرون وفاعلون. إلا أن كل ظلمهم وجبروتهم لم يدوم كثيرًا إلى أن قالت الشعوب كلمتها وظهر من بين ظهرانيهم من قال “لا” و “كفى” لِغَيَكم وظلمكم أيها المتكبرون. فراح يحطم هذه الأصنام الواحدة تلو الأخرى بإرادة قوية حطمت معها عقلية الآلاف من العبيد الذين كانوا يؤمنون بهذه الأصنام على أنها الآلهة وبقي كذلك العبيد في عبوديتهم يدافعون عن الأصنام إلى أن زالوا ولم يعد أحد يذكرهم.

نفس التفاصيل نعيشها في يومنا إذ الكثير من الشخوص التي نَصّبَت نفسها آلهة على المجتمع وراحت تتحدث باسم الرب وعلى الجميع طاعته وإلا كان الويل وسعير من نصيب كل من يقول “لا” و “كفى”. وما زالت ألة الإجرام والقتل والفتك والتدمير وإراقة الدماء والحرمات أمام أعين العالم، إلا أن هذه الآلهة تعيش كالنعامة. طبعًا، أن الآلهة لن تتصارع من أجل العبيد.

رحم الله الكاتب “شين ئيقي ئونيني” الذي يُعتقد أنه كاتب ملحمة جلجامش فلولاه لما كنا ندرك ما يدور من حولنا الآن من صراع الآلهة فيما بينها بحثًا عن الخلود مع الفارق الزمني والهدف طبعًا. نفس الدراما نعيشها الآن في صراع الآلهة ونصف الآلهة فيما بينهم بحثًا عن الخلود والنفوذ. روسيا وأمريكا وفرنسا وبريطانيا والصين الآلهة الخمسة في مجلس الأمن الدولي التي بيدها يتوقف مصير الانسانية جمعاء في أن تعيش أو أن تبقى عبيدًا وتموت في قرار واحد لا غير وهو الـ “فيتو”، وهناك طبعًا أنصاف الآلهة إيران وتركيا وكذلك ربع الآلهة من بعض مشيخة الخليج وخاصة قطر.

 كل هذه الآلهة تتصارع فيما بينها على سوريا والعراق عامة منذ سنوات والآن على عفرين خاصة التي قالت “لا” وتمردت على من وسموا ذاتهم آلهة العصر.

ها هي عفرين بصغرها وإرادتها الشعبية القوية أسقطت الأقنعة عن الآلهة الذين كانوا وما زالوا يتبجحون بالديمقراطية وحقوق الانسان والمساواة وعرَّتهم على حقيقتهم في أنهم ليسوا إلا شياطين العصر وينبغي تخليص الشعوب والمجتمعات من طغيانهم وجبروتهم وظلمهم.

ونحن في الألفية الثالثة أي بعد أكثر من أربعة آلاف عامًا على ملحمة جلجامش التي نعيشها الآن بكل تفاصيلها والتي لم يبقَ من هذه الملحمة سوى اسم جلجامش وحده ولكن كل تلك الآلهة لا أحدٌ يعرفها ولا يتذكر اسمها إلا بالرجوع للمصادر التاريخية. الآن أيضًا ستزول هذه الآلهة أيضًا ولن يتبقَ من ذكرها شيئًا ولكن كلنا إيمانًا أن اسم عفرين سيقى مخلدًا في التاريخ. لأن عفرين تبحث عن الخلود مع شعوبها ومجتمعاتها الأخلاقية والعيش المشترك بعكس الآلهة العراة التي كانت وما زالت تبحث عن الخلود لنفسها هي فقط وليمت الآخرين.

إنها بنفس الوقت سقوط القناع عن الرأسمالية النهَّابة لجهد الانسان وعمله والتي لا همَّ لها سوى الربح والربح على حساب قتل الشعوب وإفناء المجتمعات. وكذلك انتصار الشعوب على هذه الآلهة المزيفة الدجالين.    

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى