مقالات رأي

أحمد قاسم- الكرد في سوريا واستهدافهم قومياً

ضرب وإنهاء المسألة الكردية في سوريا من خلال تهجير الكرد والقضاء على قوتهم الاقتصادية من مصلحة إيران أولاً، ومن بعد ذلك يكون لصالح الدول التي تقتسم بينها كردستان.

لصالح إيران أولاً كونها ترى في سوريا ساحة لحربها مع أعدائها الغربيين وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك ترى أن سوريا جزءاً استراتيجياً في جغرافيتها تساعدها على مدِّ نفوذها نحو البحر المتوسط علاوة على أنها منطقة الوصل بينها وبين لبنان مروراً بالعراق الذي تم السيطرة عليه من خلال الأغلبية الشيعية الحاكمة…

فبنظر إيران الاستراتيجي تجاه الكرد وقضيته القومية المعقدة، ترى ضرورة ضربه من الداخل وتعميق الصراع الكردي ـ الكردي لإبعاده عن قضيته الأساسية وإلهائه بالصراعات الداخلية عن طريق ربط قسم من حركته السياسية والمسلحة بأجنداته لاستخدامه في تنفيذ عمليات تخدم في عمق الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة، وهذا ما يحصل الآن في كل من كردستان العراق وتركيا ليلحق بها الجزء السوري من خلال حزب الاتحاد الديمقراطي الذراع السوري للحزب العمال الكردستاني في تركيا.

إيران دولة مارقة في الساحة الشرق أوسطية تمتلك أطماعاً توسعية واضحة وتشكل خطراً حقيقياً على مصير شعوبها كونها تستعمل الصراع المذهبي وتؤججه بين الطوائف في دولة واحدة تهدف من خلاله ضرب الاستقرار وإشاعة الفوضى لفتح الطريق أمام تدخلاتها وتنظيم قسم من المجتمع لصالح أجنداتها، وبالتالي، السيطرة على المفاصل الأساسية في الحكم وإلحاقها بمحورها الذي هي من تقوده.

الكرد، ومن خلال ظهوره الواضح على الساحة السورية في مرحلة الأزمة ومنذ بداية إعلان ” ثورة الحرية والكرامة ” في آذار 2011 توجهت إيران إليه والعمل على ربطه بأجنداتها في إدارة الأزمة والوقوف مع النظام “الذي ومنذ اليوم الأول اعتبرته أنه الراعي للمصالح الاستراتيجية لإيران في المنطقة، وأن إسقاط النظام في دمشق سيشكل تهديداً مباشراً على طهران ” وبالتالي، عمدت على استعمال الكرد ضد المعارضة أو تحييده في الصراع بين النظام والمعارضة في حده الأدنى.. ونتيجة لذلك، استطاعت إيران ضرب وحدة الحركة الكردية في سوريا من خلال تجنيد الحزب العمال الكردستاني لخدمة استراتيجيتها في سوريا وكذلك في العراق، مع استعماله كورقة تهديد مباشر ضد تركيا عند اللزوم.

لكن يبدو, ومع تطورات الأحداث والتبدلات في المواقف الدولية تجاه الأزمة في سوريا, وتشكيل التحالف الدولي للحرب على الإرهاب بعد سيطرة “داعش” على الموصل, ومن ثم التحاق قوات وحدات الحماية الشعبية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي بالتحالف الدولي بعد تحرير ( كوباني ) عام 2015 من سيطرة قوات ” داعش ” لتكون تلك الوحدات بمثابة قوة تحارب الإرهاب على الأرض بدعم لوجستي من أمريكا وبمساندة الطيران للتحالف الدولي لطالما نجحت تلك الوحدات في حربها ضد قوات ” داعش ” في كوباني وبعدها في منبج والرقة ودير الزور, ذلك أدى إلى تحالف استراتيجي بين تلك الوحدات والبينتاكون الأمريكي في الحرب ضد الإرهاب مما أزعج تركيا الحليف الاستراتيجي لأمريكا والعضو في قوات حلف الناتو.

هذه التطورات حركت حفيظة إيران وتركيا معاً.. الجانب الإيراني، بدأت تحذر حزب الاتحاد الديمقراطي على علاقة جناحه المسلح مع أمريكا ـ التي أعلنت وبشكل صريح على أن تواجدها وبقاء قواتها في شرق الفرات تهدف إلى مواصلة الحرب ضد الإرهاب وكذلك قطع الطريق أمام محاولة إيران الاستيلاء على سوريا..ـ وأن تحالف وحدات الحماية وقوات سورية الديمقراطية مع أمريكا في المنطقة يعني منطقياً أن تلك القوات في موقف عدائي مع إيران في وقت أن إيران ترى في الحزب العمال الكردستاني حليفاً لها في الأزمة السورية.. لذلك أيدت إيران العملية العسكرية التركية في عفرين لقصقصة أجنحة حزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا مع إعلامها لقيادة حزب العمال الكردستاني على أن لا تحرك ضد هذه العملية..

أما الجانب التركي، فقد أتتها فرصة التحرك وهي كانت تنتظر منذ بداية 2013 لهذه اللحظة للسيطرة على عفرين لسببين:

الأول -للتمسك بشمال حلب والريف الغربي لإدلب حسب اتفاق آستانا في عملية خفض التصعيد، حيث كانت عفرين عقدة بين الريف الشمالي لحلب والريف الغربي لمحافظة إدلب، وكانت تركيا تتلقى موقف الرفض من كلٍ من إيران وروسيا معاً للسيطرة عليها. لكن بعد كشف وزير خارجية أمريكا عن سياسة البيت الأبيض مؤخراً حيث كان إيران تحتل الموقع الأهم في تلك السياسة، غيرت موقفها وأعطت الضوء الأخضر لتركيا من أجل السيطرة على عفرين، لكن ليس بدون مقابل، حيث تم الاتفاق على (الغوطة ثمناً لعفرين..!). وهذا ما حصل.

ثانياً – مع سيطرة تركيا على عفرين, قد قطعت أمام حزب العمال الكردستاني دوابر التدخل وتنفيذ عمليات استفزازية ضد تركيا من خلال الحدود الوعرة بين منطقة عفرين وتركيا, وخاصة, كانت تركيا تملك الكثير من المعلومات على أن حزب الاتحاد الديمقراطي قام ببناء تحسينات استراتيجية على حدودها تمهيداً لعمل ما ضد تركيا.. وهذا ما كان يروجه الإعلام التركي.

إذاً، عملية تهجير الكرد بالدرجة الأولى هي لصالح إيران أولاً، وبالتالي، فهي لصالح النظام في دمشق إن بقي ولصالح المعارضة السورية أيضاً إن كان بديلاً للنظام، بالنتيجة الحتمية هي عملية في حقيقة أمرها القضاء على حقيقة القضية الكردية إن حصل التغيير الديمغرافي في المنطقة لطالما يتم تغيير نسبة الكرد في مناطقه، وبالتالي، تبقى حقوق الكرد في إطار المواطنة وحقوق الإنسان الثقافية….

أما مصلحة تركيا من التغيير الديمغرافي أعتقد لا تتعدى حدود الخلاص من هواجسها على أن الكرد في سوريا يشكلون خطراً على حدودها والقضية الكردية في تركيا هي الأهم بالنسبة للكرد جميعاً، حيث أن أكثر من ثلاثون مليون كردي يعيش على أكثر من نصف مساحة جغرافية كردستان التي هي ضمن جغرافية الدولة التركية، وأن الحكومة التركية تدرك وتتفهم هذا الواقع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى