مقالات رأي

خورشيد دلي- تركيا ومخاطر النووي

(آدار برس- البيان) .. بعد عقدين من عمليات البنية الصناعية الاساسية, توشك تركيا على الانتهاء من اقامة مفاعل نووي في خليج اكويو (جنوب شرق تركيا, بين مرسين وانطاليا) وهو من ضمن عشرة مفاعلات نووية تنوي تركيا بناءها بحلول العام 2020, ويرى المراقبون ان تركيا استكملت مؤخرا العناصر الضرورية لانتاج السلاح النووي: من مادة اليورانيوم, البنية التحتية اللازمة للطاقة الذرية والعلماء الذين استقدمت معظمهم من جمهوريات اسيا الوسطى السوفييتية السابقة, ويعتقد هؤلاء المراقبون ان السلطات التركية حسمت قرارها لصالح انتاج السلاح النووي, في ضوء نجاح باكستان والهند في انتاج اسلحتهما النووية, وما يقال عن تطوير ايران لبرنامجها النووي واسلحتها غير التقليدية, وكذلك في ضوء التطور الكبير الذي شهدته العلاقات العسكرية التركية ــ الاسرائيلية في السنوات الاخيرة, وما تقدمه الثانية للاولى من تقنيات متطورة. مهما تكن الدوافع التركية من وراء بناء مفاعل نووي في اكويو, سواء اكانت لانتاج الطاقة كما تدعي المصادر التركية الرسمية, او لامتلاك السلاح النووي, فانها تثير مخاطر لا متناهية على شعوب المنطقة وتعرضها لافدح الاخطار, وقد وصفت منظمة (غرين بيس) التي تعمل منذ سنوات لمنع اقامة اكويو النووي, في دراسة لها اخطار تشغيل, هذا المفاعل بالكارثية. وبداية, لايخفى على احد ان تركيا تعمل جاهدة منذ حرب الخليج الثانية لامتلاك وصناعة اسلحة متطورة, في اطار سعيها للقيام بدور اقليمي محوري في منطقتي الشرق الاوسط واسيا الوسطى, وقد خصصت ميزانية ضخمة بلغت 150 مليار دولار لتطوير برامجها التسلحية على مدى السنوات العشرين المقبلة, وهذا رقم ضخم جدا قياسا الى الاقتصاد التركي ولايمكن فهمه الا في اطار السعي الى انتاج الاسلحة النووية. من اولى مخاطر اقامة مفاعل اكويو النووي هو ان موقع اقامة المفاعل يقع في منطقة زلزالية عالية الخطورة, وتشير الدراسات التحليلية المعنية بالنشاط الزلزالي في العالم الى ان منطقة اقامة المفاعل تعتبر من اكثر المناطق الزلزالية الخطرة في العالم, ومليئة بالتصدعات, وهذا يعني ان الدراسات التي بنيت عليها المفاعل استخفت بالقوانين والحسابات الدقيقة لاختيار موقع المشروع, فهو ينطوي على مخاطر كبرى على المدنيين القريب والبعيد. ومن وجهة نظر بيئية, فان تشغيل هذا المفاعل ينطوي على مخاطر تتجاوز حدود تركيا لتمتد جنوبا الى كل من سورية ولبنان والعراق وفلسطين والمملكة العربية السعودية ودول الخليج وصولا الى كازاخستان واوزبكستان وكذلك منطقتي المتوسط وايجه, فالرياح التي ستنقل كتل الهواء التي تحمل اثارا ناجمة عن تسرب الاشعاعات النووية من منطقة المفاعل في حال تشغيله الى المناطق المذكورة وربما مناطق ابعد منها, هذه الرياح تحمل معها اثارا سلبية ناتجة عن الاشعاعات النووية, لها مخاطر جمة على الزراعة والحيوان وبالتالي الانسان, ولعل هذا ما دفع بالبعض الى مقارنة الاخطار الناجمة عن اقامة مفاعل اكويو النووي بكارثة (تشرنوبيل) , وما يزيد من مخاطر في هذا الاتجاه هو ان تركيا بلد يفتقر الى الخبرة الفنية والادارية والتشغيلية المطلوبة لاقامة مفاعل نووي وفق المستويات والمواصفات العالمية. ومن المخاطر ايضا, ان الخطوة التركية المنتظرة, اي مجرد الاعلان رسميا عن تشغيل مفاعل اكويو النووي ستفتح الباب امام حصول تسابق في المنطقة على بناء مفاعلات كبيرة, فدول مثل ايران واليونان والعراق لن تقف مكتوفة الايدي حيال تركيا نووية لها خلافات مزمنة مع هذه الدول وغيرها, خاصة ان التبريرات التركية المعلنة من وراء اقامة مفاعل نووية (الحصول على الطاقة) هي تبريرات غير مقنعة, وحقيقة, المسألة تتجاوز مسألة تأمين نسبة من الطاقة, انما تتعلق بالتطلع الى القيام بدور اقليمي محوري في منطقة استراتيجية حساسة يراد تشكيلها من جديد امنيا وسياسيا واقتصاديا, فالبيانات الرسمية التركية حول الغاية من بناء اكويو النووي تثير اسئلة لا اجوبة مقنعة لها, فحسب بيانات وزارة الطاقة التركية تبلغ كلفة انشاء هذا المفاعل اربعة مليارات دولار بهدف انتاج (1000) ميجاواط من الطاقة, اي تأمين ما يساوي 2ــ 3 بالمئة من الطاقة من احتياجاتها المستقبلية للطاقة, وقراءة بسيطة لهذه الارقام, فان الامور تبدو غير منطقية, فلا يمكن الاقتناع بان مشروع يكلف اربعة مليارات دولار هو مجرد مشروع للحصول على 2ــ 3 بالمائة من الطاقة, خاصة وان تركيا لديها من مصادر المياه للحصول على ما يفوق عشرات المرات على هذه النسبة من الطاقة ووفق طرق فنية سليمة بيئيا وباعباء مالية اقل بكثير. من المؤكد ان المفاعلات النووية لن تزيد الوضع في المنطقة سوى توترا وخطرا, وهو الامر الذي يتطلب تحركا اقليميا ودوليا فاعلا وعاجلا لا لمنع بناء مفاعلات نووية جديدة في المنطقة فحسب, بل لنزع المفاعلات والاسلحة النووية منها ايضا, وفي المقدمة منها الاسلحة النووية الاسرائيلية, ضمانا للامن والسلام, والتوجه الى التنمية التي هي حاجة الجميع دون استثناء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى