مقالات رأي

طلال محمد- شعبٌ ينبضُ قلبه بالمقاومة

تاريخُ الكردِ تاريخُ مقاوماتٍ؛ مقاوماتٍ أذهلت الأعداءَ طيلةَ سنواتِ محاولاتهم سحقَ الهويةَ الكُردية وحقوقَ الشعب الكُردي، فلو أنَّ عدوّاً واحداً من الأعداءِ الأربعةِ الرئيسيينَ للكُردِ صرّحَ بما يحملهُ سرّاً في قلبهِ عن هذا الشعب، لقالَ “ما أعظمَ الكُرد”، فهم (الأعداء) ربما لم يسمعوا بشعبٍ قاومَ مثلما قاومَ ولا يزال يقاوم الشعب الكُردي، ونظنُّ أن كلَّ حاكمٍ من حكّامِ أنظمةِ الأعداءِ الأربعة، منذ بدء احتلالهم لأجزاء كُردستان، لم يترك الحكمَ لغيرهِ إلا وقالَ في سريرةِ نفسهِ الجملةَ السابقة، ونحنُ لا نقول ذلك، من منطلقِ كُرديّتنا أو من منطقِ مدحٍ ذاتيٍّ، بل من منطلقِ الحقيقةِ والواقعِ التاريخي، البعيد منه والقريب على حدٍّ سواء.

ومثلما بقيت هذه الأنظمةُ، بالتتابعِ، على حالها دونما تغييرٍ في ذهنيتها حيالَ الكُردِ وحقوقهم، بقيت المقاومةُ أيضاً على حالها دونما تغييرٍ في اندفاعها وشعلتها، في معادلةٍ بسيطةٍ مفادها “طالما هناكَ استبدادٌ وقمعٌ للحقوقِ ستكونُ هناكَ مقاومة لتحصيلِ هذه الحقوق”، ورغمَ بساطةِ هذه المعادلة، إلا أن تلك الأنظمة أصرّت ولا تزال تصرُّ على التغافلِ والتجاهل، مستخدمةً مختلفَ أساليبَ ووسائلَ التجاهل، ظنّاً منها أنَّ ذلك يمكنُ أن يغيّرَ شيئاً من هذه المعادلة أو أن يحوّلها إلى منحى آخر مفاده «طالما هناكَ قمعٌ فسيتم دفنَ الحقوق إلى الأبد»، مع أنها تعلمُ يقيناً وليس ظنّاً أنَّ لا “أبدَ” إلا للشعوبِ وحقوقها التي سيتم تحصيلها في النهايةِ من دونِ شك.

ترى هل تتوقّع هذه الأنظمة أن تنجحَ نهائياً في القضاءِ على طموحاتِ وحقوقِ شعبٍ ينبضُ قلبه بالمقاومة؟.. يقولُ التاريخُ لمن يملكُ اذنينِ تجيدانِ السمعَ إن أنظمةً عديدةً من مشرق الأرضِ إلى مغربها، قديماً وحديثاً، حاولت مراراً أن تسحقَ هوياتٍ وشعوباً وقضايا وحقوقاً، إلا أنها فشلت في النهايةِ ورضخت لمنطق التنازلِ أو التفاوضِ أو الاعترافِ بصورةٍ جاءت في مصلحةِ هذه الهويات والشعوب والحقوق، هذا منطقُ التاريخ، والتاريخُ معتادٌ على أن يتكرّر كثيراً في مثل هذه المسائل.

من هذا المنطلق، يطرحُ السؤال نفسه: هل تتوقّع تركيا مثلاً أنه بإمكانها دفنَ القضية الكردية ببنادقها ومدافعها؟ هل تتوقّع أنها قادرة على إنهاءِ قضيةٍ باتت المقاومة جزءاً من ثقافةِ حامليها؟.. حقيقةً، لا يمكنُ لشعبٍ أن يسقطَ أو يتنازلَ عن حقوقه وقضاياه، مهما كانت درجة القمع المستخدمة ضدَّه، طالما هناكَ مقاومةٌ من طرفهِ، وطالما أنَّ هذه المقاومة أضحت جزءاً من ثقافته، والتأثيرُ السلبيُّ الوحيدُ الذي يمكنُ أن تحدثه آلة القمعِ هذه، هو التأثير الزمني فحسب، كأن يؤثر القمعُ في إطالة عمرِ تحصيل الحقوق وحلِّ القضايا، أما أن تتمكّنَ ذهنيةُ القمعِ من دفنِ الحقوقِ والقضايا بشكلٍ نهائي، كما تظنُّ الأنظمة القمعية، فهذا أمرٌ قد لا يُطرحُ إلا داخلَ مجلسٍ يقوده مريضٌ أو مجنون.

مشكلة هذه الأنظمة هي اعتقادها المختل بأنها قادرة على أن تغيّر مجرى التاريخ، وأنها تستطيع أن تحقّقَ فوزاً في أمرٍ سبقَ وفشلَ فيه جميعُ الطغاةِ على مرّ الزمن، وكلُّ طاغيةٍ بحكمِ طغيانهِ تأخذه أوهامهُ إلى حيث تشتهيه سفنُ أحلامهِ المريضة، كما تأخذُ “أردوغان” أوهامهُ إلى مدِّ بساطِ العثمانيةِ في المنطقة برمتها، وإلى إنهاءِ الهوية الكُردية ووجود الشعب الكُردي وإطفاء شعلة مقاومته التي باتت حديثَ القاصي والداني في العالم بأجمعه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى