مقالات رأي

د. مهيب صالحة- سقوط حر من أعالي قمم أستانا

تواطؤوا بحرفهم مسار جنيف للحل السياسي ليس لمصلحة أي طرف من الأطراف السورية ، الحكومة أو المعارضة، إنما لإطالة زمن الحرب المدمرة ، وتحين الفرصة لتصفية حسابات المصالح الدولية بين محاور مختلفة على الأرض السورية وعلى حساب الشعب السوري .

في واجهة أستانا تظهر للعيان روسيا وايران وتركيا كدول فاعلة ومتفردة بالملف السوري ، ميدانياً وسياسياً ، بينما يظهر اللاعبون الآخرون ، وخاصة الولايات المتحدة الامريكية ، لا حول لهم ولا قوة ، أو في إجازة بلا راتب لأجل تسميه دول أستانا الظاهرة . إن أبسط تحليل سياسي للمصالح الدولية ولتموضع كل دولة على خرائط الكرة الأرضية السياسية والاقتصادية والطبيعية ينتهي بنتيجة منطقية لتوزع المصالح بين الدول على خارطة واحدة تتداخل فيها المصورات الطبيعية بالاقتصادية بالسياسية . إن النفط ومصادر الطاقة الأخرى ووجود اسرائيل وعقدة المواصلات العالمية يجعل الولايات المتحدة الأمريكية ، زعيمة العالم باعتراف الجميع ، دولة شرق أوسطية بالمصورات السياسية والاقتصادية والطبيعية ، وبالتالي فإن بعض الظن عن تخليها عن سورية الدولة الشرق أوسطية المجاورة لمصادر الطاقة وإسرائيل وفي قلب عقدة المواصلات العالمية هو من قبيل سوء الفهم لدى البعض ، ومن قبيل الإثم ، الذي تريد منه الدول المتدخلة والفاعلة تشويش الذهنية السورية من جانبي ، الموالاة والمعارضات ، أكثر مما هي مشوشة في لعبة المصالح الدولية على حساب المصالح الوطنية . وفي أسوأ الأحول أو في أحسنها لا يسع المحلل السياسي ، وفق معطيات الخرائط السياسية الواقعية ، سوى الاستنتاج بأن الولايات المتحدة الأمريكية تغطي كل الاتفاقات والتفاهمات التي تخرج من أستانا باعتبارها تتزعم العالم ومصالحها تقتضي وجودها الفعال في الشرق الأوسط وخاصة في أكثر دوله سخونة . إن سوء الظن بالدول الراعية في الظاهر لمفاوضات أستانا ، خبراء وقادة ، هو من قبيل حسن الفطن ، ومطلوب من جميع الأطراف السورية تقديمه على أي شيء سواه في حساباتها الخاصة أو في الحسابات الوطنية إن بقي للوطنية السورية أي حساب عندها.

السوري في جميع جولات الخبراء في مفاوضات أستانا هو الحاضر الغائب ، يتداول الرعاة بأحواله ، دون أن يكون له أي دور سوى السمع الطاعة . أما في قمم مسار أستانا فهو الغائب الحاضر لأن كل الدول الراعية في الظاهر لا تقدر على تجاوز الموقف السلبي للدولة الراعية في الباطن ، الولايات المتحدة الأمريكية ، من شرعية الرئاسة السورية ، وبالتالي تقتصر قمم أستانا على رؤساء الظاهر بينما رئيس الباطن السيد ترامب في كل قمة إما يتظاهر بعدم الاكتراث أو يبعث برسائل مبطنة في ظاهرها لكنها واضحة ومفهومة في جوهرها من قبل شركائه في فريق أستانا أو يحرك مجلس الأمن لإعطاء انطباع بأهمية الموضوع المطروح دولياً .

إن مسار أستانا كان بمثابة المخرج الوحيد من عقدة جنيف ، وفي الحالتين ، في العقدة والمخرج ، ثمة اتفاق أمريكي روسي كل من لا يراه هو أعمى . كما اتفق الطرفان في قمة هلسنكي على إضعاف دور كل من ايران وتركيا في سورية مثلما أضعفا من قبل دور كل من السعودية وقطر ليتفردا بالحل السياسي في جنيف أو سواها ويقطفا ثماره الجيوسياسية والاقتصادية  .

 ومن سخرية القدر ، أو من مسخرة ألاعيب الدول العظمى بمصائر الشعوب المغلوب على أمرها ان تتوافق هذه الدول على ترتيب ميدان الصراع على سورية بما يتوافق مع مصالحها التي يغلب عليها التناقض وبما يخدم هذه المصالح . مصالح متناقضة يؤمنها تقاسم الأرض أو تقاسم مناطق النفوذ . منطقة أمريكية شرق الفرات ومنطقة روسية غرب الفرات إذا اعتبرنا نهر الفرات خطاً فاصلاً . في منطقة شرق الفرات ستفقأ عين تركيا المحدقة فيها ، وفي منطقة غرب الفرات ستفقأ عين ايران الناظرة إليها ، وربما يقبل الطرفان الأمريكي والروسي لفترة معينة بقاء كل من ايران وتركيا في مناطق محددة غرب الفرات ، شماله وجنوبه ،ريثما ينتهيان من تحضير الميدان للانتقال إلى عملية سياسية ينفردان بها . ولكن خلال هذه الأثناء يتعرض كل من ايران وتركيا لضربات مؤلمة من قبل اسرائيل ومن قبل قوات سورية الديمقراطية على التوالي وكلاهما تغطيه الولايات المتحدة الأمريكية وبضوء أخضر روسي . وفي الحالتين الحكومة السورية لا تؤيد الضربات ولكنها لا تمانعها لأنها لن تخسر شيئاً من حسابها لدى الدولتين العظميين .

في كل قمة أستانية ، في سوتشي أو طهران أو أستنبول ، يتضمن بيان الرؤساء : وحدة سورية ، الحل السياسي ، عودة النازحين واللاجئين ، إعادة الإعمار ، وملفات إنسانية ، مما يولد شعوراً أن الدول الراعية قاب قوسين أو أدنى من معالجة كل هذه الملفات التي تضع نهاية سعيدة للمحنة السورية .وفي كل مرة الموضوع الذي تجتمع القمة لأجله يغيب عن بيانها ولكنه يحضر على أرض الميدان بمزيد من القتل والدمار والتهجير والخراب وتفتيت البلاد . وحجة الجماعات الإرهابية ، داعش والنصرة ، والجماعات الإسلامية الأخرى الأقل تشدداً ، ومحاربة الإرهاب جاهزة إما بإشارة سريعة في البيانات أو بالتلميح وعلى أثرها ينقل الإرهابيون بالباصات المكيفة إلى أماكن خارج مناطق خفض التصعيد التي ابتدعتها اجتماعات خبراء أستانا من الدول الراعية وفرضتها على الطرفين السوريين الحاضرين الغائبين ، الدواعش إلى البادية السورية والنصرة ربما ينتهي بها المطاف بعد معارك إدلب المحتملة إلى عفرين والباب وإعزاز وجرابلس . وفي جميع الحالات يتم استخدام هذه التنظيمات الإرهابية حجة لإطالة أمد الحرب في سورية وتحقيق مآرب آنية وأهداف استراتيجية لا يمكن فهمها إلا في سياق بناء الشراكات الجيوسياسية بين الدولتين العظميين وتقليم أظافر ايران وتركيا . إن ربط الحل السياسي بالقضاء على الإرهاب واخراج القوات الأجنبية من سورية ، والمقصود هنا ايران وجماعاتها وتركيا وجماعاتها ، هو حق يراد منه باطل ، يطيل المحنة  ويحضر الذهنية السورية لقبول أية حلول تفرضها الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الروسي على مقاس مصالحهما دونما أي اعتبار للمصالح الوطنية السورية . وطالما لم تدرك ايران وتركيا حدود تدخلهما أو تصرفهما في خارطة الشرق الأوسط بجميع مصوراتها السياسية والاقتصادية والطبيعية فإن حرب الآخرين على الأرض السورية ستستمر لسنوات قادمة إلا إذا عادت ـ وهذا مستبعد الآن ـ الأطراف الداخلية كلها إلى وطنية سورية جامعة أساسها وحدة سورية واستقلالها مع خروج جميع القوى الأجنبية الإقليمية ، عندئدِِ لا يعد هناك أي مبرر لتواجد قوات ايرانية وتركيا وستضغط الدولتان العظميان باتجاه تعجيل الحل السياسي ، الذي يمكن من خلاله أن تضمن الدولة السورية بعض مصالحها . أما الإرهاب فأمره بسيط لأنه نتيجة للصراع وليس أحد أسبابه سوف ينتهي بانتهائه حالما تتفق أمريكا وروسيا .

إن قمة طهران يوم الجمعة الفائت في السابع من أيلول ٢٠١٨ اتفق فيها رؤساء روسيا وايران وتركيا على معالجة الوضع في منطقة خفض التصعيد في إدلب بروح أستانا ، وما عدا ذلك فإن أية تصريحات من هذا الطرف أوذاك على مستوى سياسي هي خارج السياق ويقصد منها تخدير صديق أو تطمين عدو . لقد حددت تصريحات الإدارة الأمريكية وتغريدات رئيسها حدود العمليات العسكرية والتسويات والمصالحات التي ستجري في محافظة إدلب السورية بروح أستانا حسب بيان قمتها في طهران التي كان فيها الرئيس الأمريكي الغائب الحاضر والذي اتخذت القرارات المتعلقة بجدول عمل القمة ( إدلب ) بروح ترامب وليس بروح أستانا ، بالضبط كما حصل في كل قمة قبل ” معالجة وضع مناطق خفض التصعيد السابقة ” . لقد وضع الرئيس ترامب لعمليات معالجة وضع إدلب خطي غضب ، الكيماوي والمجازر ، وديمستورا وضع حد قلق واحد ، النزوح . الكيماوي والمجازر كلاهما إذا وقعا تجري الأمم المتحدة تحقيقاً فيهما دون ذكر الفاعل مع تمييز المدنيين الذين يقتلون بالكيماوي أو في مجزرة عن المدنيين الذين يقتلون بوسائط أخرى أو في ظروف حرب عادية بالوقوف دقيقة صمت على أرواحهم في مجلس الأمن الدولي !!. أما النزوح فتكتفي الأمم المتحدة بالتوسط لدى الأطراف المتقاتلة على أرض الميدان لفتح معابر آمنة للمدنيين وهي تتولى نصب الخيام لهم وتقديم وجبات الطعام !!!

 إن الإنسانية سقطت منذ زمن بعيد من أعالي قمم أستانا وسقط معها ذلك المارد الحر الذي كسر القمقم بمسحة رسول من يد طفل يعشق الحياة .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى