مقالات رأي

محسن عوض الله- السِّمسارُ المُغَرِّدُ

(آدار برس- صدى سيا) .. لم أعهده سياسيّاً، ولم أعترف به رئيساً، ما هو إلا مجرّد أحمق قادته ديمقراطيّة مشكوك في نزاهتها لأهمّ منصب سياسيّ بالعالم، إنّه دونالد ترامب راعي البقر الأمريكيّ المثير للجدل، الذي جعلت منه ظروف غير طبيعيّة رئيساً للولايات المتّحدة الأمريكيّة.

سَمِّهِ كما تشاء، سمسار، تاجر، رجل أعمال، مغرّد، ولكن لا تقل سياسيّ، أو زعيم، فليس كلّ من فاز بالانتخابات رئيس، وليس كلّ من دخل البيت الأبيض زعيم.

فشل السمسار المغرّد في أن يخلع رداءه قبل دخول البيت الأبيض، بل احتفظ به، واستعان به في إدارة شؤون العالم، ما جعله يعتمد الصفقات سياسة عامّة لواشنطن، والمقايضات جزءاً من الدّبلوماسيّة المُعلَنَة للبيت الأبيض، والتغريدات مراسيم رئاسيّة يمنح بها السلطة لمن يشاء، ويحجبها عمّن يشاء.

ترامب السمسار أبدع في أداء دوره، فمنذ انتخابه، عاهدناه دوماً بلا كلمة، ليس له حليف، أو صديق، بل ليس له رأي أو سياسة، وهي صفات ممتازة ومطلوبة في مهنة السماسرة ولكنّها مدمّرة في حالة رجل يُفترض أنّه رئيس أكبر دولة بالعالم أو هكذا كانت قبل وصول ذلك السمسار لرأس السلطة بها.

لو كان جورج واشنطن يدرك حينما أسّس الولايات المتّحدة الأمريكيّة أنّه سيأتي ذلك اليوم على تلك البلاد ويحكمها رجل تظهر صورته بمواقع البحث بمجرّد كتابة كلمة أحمق، لما فكّر في انهاء الحرب وتوحيد الولايات الأمريكيّة.

استفسارات كثيرة جالت بخاطري، وأنا أحاول أن أفهمَ قرار ترامب بسحب القوّات الأمريكيّة من سوريّا، ما هذا القرار الذي لا علاقة له بالمنطق أو العقل؟ كيف للقوّة العظمى الأولى في العالم أن تقبل برئيس لا يَعرف المنطقُ طريقاً لقرارته، ولا تمثّل السّياسة جزءاً من اهتماماته، مجرّد مجنون يمتلك حساباً على تويتر يعبث فيه بأمن بلاده وحلفائه دون إدراك لمسؤوليّة أو إحساس بخطر!

بنظرة متعمّقة في قرار ترامب، نجد أنّ الأمرَ ربّما يحمل في طيّاته شُبهةَ الصفقة، وهو الأمر الذي يجيده ترامب، أو هكذا يظنّ، باعتباره سمساراً قبل أن يكون رئيساً، صفقةً تبدو خاسرة ليس لترامب السمسار؛ بل للولايات المتّحدة كدولة زعيمة للعالم الحرّ، أو هكذا كانت قبل وصول ترامب للسلطة وهو السمسار الذي لا يَعتدُّ بمثل تلك الشعارات، ولا يفهم معانيها من الأساس.

قرّر ترامب سحب قوّاته من سوريّا، زاعماً أنّه انتصر في حربه على داعش، وأنّ التنظيم انتهى، وهي عبارة تكفي لمحاسبة ترامب بتهمة الغباء والجهل السياسيّ، فلا ترامب انتصر، ولا التنظيم انتهى، بل أنّ أمريكا لم تخض حرباً من الأساس ضدّ داعش، وقرار ترامب بالانسحاب هو أكبر دعم لداعش ويدعم نظريّة أنّ التنظيم صناعة أمريكيّة.

لم تحارب القوّات الأمريكيّة داعش بسوريّا، الجهة الوحيدة التي حاربت التنظيم هي قوّات سوريّا الدّيمقراطيّة “قسد” الجناح العسكريّ لمجلس سوريّا الدّيمقراطيّة، ذلك المجلس الذي يمثّل الإطار السياسيّ الجامع للقوى السياسيّة المكوّنة للإدارة الذّاتيّة بشمال سوريّا، “قسد” التي أسقطت عاصمة التنظيم بالرّقّة، وطردته من كوباني ومنبج، وتحاربه بآخر معاقله بدير الزور.

الطريف أنّ ترامب عندما أراد أن يبرّر انسحابه من سوريّا، قال إنّه “آنّ الأوان لدولة مثل تركيّا أن تستكمل محاربة تنظيم داعش”، وهى تغريدة ربّما تكشف حقيقة السمسار الرّئيس الذي يبدو أنّه لم يقرأ تقارير مخابراته وأجهزته حول علاقة تركيّا الوثيقة بداعش، ودور أنقرة في دعم التنظيم الإرهابيّ.

إذا كان ترامب لا يدري طبيعة العلاقة بين تركيّا والتنظيمات الإرهابيّة بسوريّا فتلك مصيبة، وإذا كان يدري وينتظر من أنقرة أن تحارب حلفاءها الإرهابيّين فالمصيبة أعظم، كيف لترامب أن يطلب من تركيّا أن تحارب الإرهابيّين وهى من تستخدمهم كميليشيّات تحت الطلب لتحقيق مصالحها بسوريّا، ألم يعلم ترامب بجرائم تركيّا وميليشيّاتها الإرهابيّة بعفرين وعمليّات السلب والنهب والتهجير التي تمارسها تلك العصابات المدعومة من أنقرة بحقّ السكّان المدنيّين؟!

ترامب، مجرّد تاجر، سمسار، لا يَعتدُّ بالسياسة، ولا يفهم فيها، انسحب من سوريّا وفق صفقة يَظنُّ أنّه رابح فيها وهو أكبر الخاسرين، صفقة منحت الدُبَّ الرّوسيّ السيادة المطلقة على القضيّة السّوريّة، صفقة جعلت من أمريكا العظمى مجرّد لاعبٍ غير مؤثّر أو ذو تأثير ضعيف بأكبر أزمات الشرق الأوسط، صفقة زلزلت أركان الإدارة الأمريكيّة فتوالت الاستقالات المؤثّرة؛ احتجاجاً على سياسة السمسار المُغرّد.

نجح السمسار المغرّد في أن يُفقدَ أمريكا أعزّ ما تملك، شرفها ومصداقيّتها ومكانتها الدّوليّة، واستطاع بتغريداته أن يقزّم الدّور الأمريكيّ بالشرق الأوسط لصالح الدُبِّ الرّوسيّ صاحب الفضل الأوّل عليه في الوصول للبيت الأبيض وفق الكثير من التقارير الأمريكيّة.

ختاماً.. يجب التأكيد أنّ سياسات ذلك السمسار لن تستطيع أن تمحوَ تضحيات وحدات حماية الشعب، وقوّات سوريّا الدّيمقراطيّة، وكيان الإدارة الذّاتيّة الذي نَبَتَ وترعرع بتلك الدماء الطاهرة على تلك الأرض التي دنّستها الخيانات الدّوليّة والمحلّيّة، لا قلق على مشروع شمال سوريّا الذي أصبح جزءاً رئيسيّاً من مستقبل سوريّا الجديدة.

انتهي زمن المجازر والإبادات، ولن تستطيع تركيّا مهما هدّدت وتوعّدت، وأمريكا مهما خانت وتواطأت، الوقوف في وجه الحقّ الكرديّ المشروع، لن تموت الأمّة الدّيمقراطيّة، بل ستشرق شمسها، ويعمّ نورها الشرق الأوسط، وستترعرع أخوّة الشعوب، وينتشر الحب والعدل والمساواة رغم كيد السمسار، وحقد السلطان، ويقولون متى هو..؟ قل عسى أن يكون قريباً..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى