مقالات رأي

محسن عوض الله- تركيا بين الدولة المارقة والدولة الإرهابية

(آدار برس- صدى سيا) .. “حان الوقت لإعلان تركيا دولة راعية للإرهاب” بهذه الجملة عنونت صحيفة “واشنطن إكزامينر” تقرير لها حول الممارسات التركية بالمنطقة!

لم يكن الأمر ملفتا أو مثيرا أو جديد بالنسبة لي، فالسؤال الذي دوما أبحث له عن إجابة، هل تركيا دولة مؤسسات مدنية مستقرة أم دولة تنظيمات إرهابية متطرفة ؟

كيف لدولة أن ترتبط بعلاقات وثيقة مع تنظيمات ارهابية متطرفة بهذا الشكل، كيف لنظام ان تتفق رؤيته السياسية والعسكرية مع رؤية ميليشيات مجرمة، كيف لثاني أقوي جيوش الناتو أن تقبل قياداته بالعمل مع ارهابيين ومرتزقة ؟!

الإجابة الشافية الكافية لهذه التساؤلات تنحصر فى فوبيا الأكراد التي تعانيها الدولة التركية، ما يجعل من قياداتها مستعدة لفعل كل جريمة، وارتكاب كل رذيلة، والتحالف مع الشيطان نفسه فى سبيل الوقوف أمام أى حق كردي بأى منطقة فى العالم.

لمواجهة الأكراد فى تركيا لم يجد أردوغان أيسر من سياسة القتل والتعذيب للتعامل مع أبناء وطنه بجنوب شرق البلاد خلال الاضطرابات التي شهدتها المنطقة عقب انهيار الهدنة بين النظام التركي وحزب العمال الكردستاني، وقتل فيها ألفا شخص في أقل من 18 شهرا، وشُرد ما يقرب من 500 ألف شخص، معظمهم من الأكراد، فضلا عن وقوع مئات من عمليات القتل والاختفاء والتعذيب أثناء العمليات العسكرية للجيش التركي التي طالت 30 بلدة وحيا بين يوليو 2015 وديسمبر 2016، بحسب تقرير الأمم المتحدة.

وفى سوريا لم يجد أردوغان وسيلة أفضل من الإرهاب والتحالف مع الإرهابيين لمواجهة الطموحات الكردية فى وطن حر يتسع لكل أبناءه، وساهمت أنقرة بشكل كبير فى تحول الحراك الثوري السلمي السوري إلى اقتتال أهلي وحرب طائفية وعرقية، حرقت الأخضر واليابس بأرض الشام، ولم يستفد منها سوي نظام الأسد.

فوبيا الأكراد دفعت أردوغان لدعم داعش عن طريق شراء النفط السوري من التنظيم ما وفر للإرهابيين دخل يومى لا يقل عن 3 مليون دولار، ووثقت وزارة الدفاع الروسية فى مؤتمر صحفي لها ديسمبر 2015 خطوط سير حافلات النفط من مناطق سيطرة داعش حتى الحدود التركية، متهمة الرئيس أردوغان نفسه بالتورط فى تلك التجارة الغير مشروعة، كما قدمت المخابرات التركية شحنات أسلحة للتنظيم وثقتها صحيفة جمهورييت التركية فى فيديو عام 2015 ما دفع السلطات لاعتقال رئيس تحريرها.

كما ذكر تقرير لمؤسسة أبحاث التسلح في الصراعات نشر عام 2016حصول تنظيم داعش على مواد خام أولية لصنع المتفجرات وإمدادات لوجستية من 13 شركة تركية، وكشف التليفزيون الالماني أن هناك معسكر لداعش بمدينة غازي عنتاب جنوب تركيا مشيرا إلى أن التنظيم يمتلك مكتب غير رسمي بمدينة اسطنبول!

لم يكتف أردوغان بدعم داعش التي انشقت عن تنظيم القاعدة، وأصبحت منافس قوي فى سوق الإرهاب الدولي بل سعي لدعم القاعدة نفسها، ليضمن ولاء كل الإرهابيين له، ففي مقابلة مع قناة الجزيرة  مايو2018  كشف يوسف الهجر مسؤول إدارة الشؤون السياسية في جبهة النصرة فرع تنظيم القاعدة بسوريا إن العلاقة مع تركيا مستمرة ومتوازنة ، مشيرا الي ان قوات التنظيم شاركت فى تثبيت نقاط المراقبة الامنية التركية بادلب!

ومؤخرا سمحت انقرة للنصرة بالسيطرة على كامل محافظة ادلب ،ولم يتردد أبو محمد الجولاني زعيم النصرة فى رد الجميل لنظام أردوغان معلنا دعمه وتأييده للعملية العسكرية التى يسعي النظام التركي لتنفيذها بشرق الفرات معتبرا أن الكرد أعداء للثورة السورية وهو موقف يتطابق بشكل كبير مع موقف أردوغان !

علاقة أردوغان بالتنظيمات الإرهابية بسوريا جعلته أشبه بخليفة للإرهابيين، يأتمرون بأمره، ويتحركون بارادته، يقتلون الأكراد الكفار بفتوي منه، يحتلون أرضهم ويسرقون زيتونهم بتعليمات من مخابراته، هو الآمر الناهي للقطيع، ومن يفكر أن يفكر فى تلك الأوامر مصيره الطرد والحرمان من الحظيرة العثمانية.

علاقات أردوغان بالتنظيمات الإرهابية فى الخارج وسياساته المستبدة بالداخل تضع تركيا تحت طائلة الدولة المارقة وفق تصنيف أنتوني ليك مستشارالأمن القومي فى عهد الرئيس الأمريكي بيل كلينتون.

وعرف ليك الدول المارقة بأنها الدول التي تجد عجزا مزمنا فى التعامل مع العالم الخارجى، فلا تعترف بالواقع ولا تؤمن بالحقيقة ، معتبرا أن  أهم صفات الدولة المارقة مساندة التنظيمات الإرهابية سواء بتمويلها أو إيواء الإرهابيين وتدريبهم وهما جريمتان يرتكبهما نظام أردوغان سواء بدعم وتمويل الإرهابيين بسوريا وليبيا أو ايواء قيادات داعش الهاربين من سوريا والعراق وغيرهما.

كما يري المسئول الأمريكي أن أحد صفات الدولة المارقة سوء معاملة الشعوب التي تحكمها وهو ما تعيشه تركيا تحت حكم أردوغان حيث السجن لكل صوت معارض، ولا مكان بتركيا لغير المسبحين لأردوغان، الساجدين بمحرابه، الطوافين حول قصره الأبيض !

ويبقي السؤال الذي لا أجد له اجابة، الأ يوجد بتركيا أجهزة مهتمتها مراجعة السياسات، وتقييم نجاحها من عدمه، فالواقع يقول أن الحرب التركية الكردية لم تبيد الأكراد بل على العكس ازدادت شعبية وأفكار حزب العمال الكردستاني، واشتهر زعيمه عبد الله أوجلان كأحد أهم سجناء الرأي فى العالم، وأصبحت أفكاره عابرة للحدود رغم اعتقاله فى سجن انفرادي منذ قرابة 20 سنة !

ربما تكون تركيا نجحت فى قتل المزيد من الكورد خلال حكم أردوغان، ولكن القتل لا يغير فكرة، بل على العكس الأفكار تنتشر بقتل صاحبها، لم تجلب الحروب والعمليات العسكرية ولا السياسات الاحتلالية الاستيطانية الأمن لاسرائيل بعد أكثر من نصف قرن من قيامها ولن تجلبه بالتأكيد لتركيا.

تحتاج تركيا لمن ينقذها من صفة الدولة الإرهابية فى ظل دعمها المستمر للارهاب، كما أنها بحاجة قصوي لمن يحميها من السقوط فى مستنقع الدولة المارقة فى ظل سياسات أردوغان التي تقودها لذلك المصير المظلم.

لابد من حل سياسي عادل، والتوقف عن سياسة الإقصاء والانكار، الحلول العسكرية لم تأت بنتيجة على مدار عقود، ومن الجنون أن تفعل نفس الشىء أكثر من مرة وتنتظر نتيجة مختلفة !

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى