أخبار

قمة سوتشي.. ضبابية تعريف “الإرهاب” يحوّل سوريا لحقل ألغام!

آدار برس-دوتش فيليه

أبرز ما تمخض عن قمة سوتشي حول سوريا هو الترحيب الثلاثي بالانسحاب الأمريكي المرتقب من شمال سوريا مع التعهد بإحلال السلام والاستقرار في المنطقة ومواصلة مكافحة الإرهاب. لكن من هو الإرهابي بنظر كل من موسكو وطهران وأنقرة؟

إلقاء نظرة معمقة على قرارات قمة سوتشي العلنية، التي بدأت وانتهت يوم أمس الخميس (14 شباط/فبراير 2019)، يكشف للمراقب أن القرارات الصادرة لا تعني شيئاً على أرض الواقع، إذا ما أخذنا مواقف الأطراف المشاركة في القمة على حدة وحددنا المصالح الكامنة وراء كل موقف. والنتيجة تبدو وكأن الأطراف قد اتفقوا على ترتيب أوضاع حقل ألغام لا يسمح بحركة واسعة فيه.

الرئيس بوتين يسعى إلى ترسيخ أقدام نظام بشار الأسد الذي يدين بالفضل الكبير له في بقائه في السلطة طيلة الحرب الأهلية المدمرة، ولا يقبل بأي خيار لحل سياسي يستبعد النظام وأزلامه.

أما إيران فقد حققت نجاحات كبيرة في حربها الضارية ضد السعودية على الأرض السورية بحجة الصراع الطائفي. والنتيجة: تراجع المشروع السعودي الخليجي في سوريا تماماً وتشتت الجماعات الإسلامية وغير الإسلامية المدعومة من الرياض وغيرها من العواصم الخليجية، منها من انتقل إلى خندق الإرهاب الإسلاموي ومنهما من ترك الساحة بعد خيبة الأمل. فيما بقيت المليشيات المدعومة من طهران تجول وتلعب على الأرض السورية.

أما تركيا ورئيسها المتنمر في شمال سوريا، فبعد إعلانه العداء السافر لنظام بشار الأسد بعد انطلاق الاحتجاجات السلمية في عام 2011، بدأ بالتحول تدريجياً من معاداة دمشق إلى الحياد في الموقف إزاء التعامل مع نظام الأسد ووصولاً إلى فكرة التعامل الدبلوماسي مع النظام السوري، وربما في المستقبل القريب جداً.

قادة الدول الثلاث، فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان وحسن روحاني، اتفقوا على أن يتولوا بأنفسهم مهمة مكافحة الإرهاب في سوريا بدء من محافظة إدلب المتأزمة والتي تمثل حالياً رمزاً لمجمل الصراع المسلح في سوريا على مدى السنوات السبع الماضية، وذلك طبعاً بعد الانسحاب الأمريكي من المنطقة. لكن الغموض يكتنف تعريف الإرهاب، حيث يختلف الحلفاء المفترضون في وضع تعريف موحد لذلك المصطلح الذي يشكل أيضاً القاسم المشترك لكل الجهود العسكرية المحلية والإقليمية والدولية.

تركيا “تساهلت” مع تنظيم “داعش”

ولعل من المفيد أن نتعرف على مفاهيم الأطراف الثلاثة للإرهاب ودعونا نبدأ بتركيا التي تعتبر الجماعات الكردية في شمال سوريا، وخصوصاً تلك التي تقاتل في وحدات حماية الشعب الكردية، والتي نجحت وبالتعاون مع قوى عربية منضوية تحت لوائها في دحر تنظيم “داعش” من قلاعه الكبيرة في سوريا، إرهابية. فيما لا تتحدث أنقرة عن جماعات إسلاموية إرهابية إطلاق أو نادراً. وما يلفت الانتباه في هذا السياق هو أن تركيا لم تحارب إطلاقاً تنظيم “داعش” عسكرياً في أي وقت من أوقات الظهور القوي للتنظيم في العراق وسوريا. بل العكس هو الصحيح، تركيا تساهلت كثيراً، لكي لا نتهمها بالتواطؤ، مع التنظيم المتشدد في كثير المناسبات.

قضية رئيس تحرير صحيفة “جمهوريت”

فضيحة التهم الموجهة إلى صحفي في صحيفة “جمهوريت” العلمانية بإفشاء أسرار الدولة، حسب المدعي العام التركي، كشفت النقاب عن الدعم التركي للجماعات الإسلامية المتشددة والتي أصبحت لاحقاً جزءاً من تنظيم “داعش” أو القاعدة في سوريا أو سلمت أو باعت أسلحة تركية إلى التنظيمين الإرهابيين.

وتتعلق الاتهامات بتقرير نشر في الصفحة الأولى يزعم وجود شحنات أسلحة تركية إلى مجموعات جهادية في سوريا. ونشر التقرير في “جمهوريت” في أيار/مايو 2015. وكان الصحافي إردم غول وهو مدير مكتب الصحيفة في أنقرة، وجان دوندار رئيس تحرير” جمهوريت” السابق قد حكم عليهما في البداية بالسجن خمس سنوات في أيار/مايو 2016 بناء على اتهامات بالخيانة. لكن الأول تم تبرأته من التهم الموجهة إليه وذلك في الحكم الصادر في أواسط تموز/يوليو من العام الماضي، فيما فر جان دوندار إلى برلين، حيث يقيم في منفاه الألماني.

إلى ذلك تواترت أنباء في عامي 2014 2015 عن حصول مقاتلي “داعش” الجرحى في العراق على مساعدات وخدمات طبية تركية وفوق الأراضي التركية، فهل تحارب تركيا حقاً الجماعات الإسلاموية المتطرفة في سوريا؟ ولماذا لم تحاربها في الماضي، كي نضمن أنها تحاربها في المستقبل؟ 

إيران: كل من يحارب النظام السوري إرهابي

إيران دخلت الصراع السوري بكل قوة على أمل إلحاق هزيمة سياسية وعسكرية كبيرة بما تسميه المشروع السعودي الخليجي في سوريا والذي كان يتمحور حول تسليح الجماعات السنية لمواجهة نظام بشار الأسد العلوي. وعليه فإيران تعتبر كل جماعة تحارب النظام السورية إرهابية، أو يمكن أن نقول إن طهران تعتبر كل جماعة تحصل على تمويل سعودي أو خليجي ويحارب في سوريا إرهابية بغض النظر عن هويتها القومية.

روسيا تتبنى تعريف الأسد للإرهاب

أما نظام الرئيس بشار الأسد فيعتبر كل حامل للسلاح ضده في سوريا جماعة إرهابية، وهو موقف تبناه النظام منذ اللحظات الأولى لانطلاقة شرارة الثورة السلمية قبل عسكرتها. فيما دخلت روسيا على أساس الادعاء الرسمي السوري لمفهوم الإرهاب الصراع لتقف إلى النظام ومحاولة منع سقوطه تحت ضربات “الجماعات الإرهابية”، حسب مفهوم النظام.

ولابد من الإشارة هنا إلى أن النظام السوري ربما يستثني قوات حماية الشعب الكردية من مفهوم الإرهاب، لأنها كانت في الماضي على ما يبدو على اتفاق مع النظام فيما يخص تحركاتها.

لا حرب ولا سلم

ومن منطلق المفاهيم المختلفة لمصطلح الإرهاب لأطراف قمة سوتشي، فيبدو الأمر مستحيلاً الاتفاق على مكافحة الإرهاب في سوريا. ولعل متابعة وضع إدلب توضح مدى صعوبة التعامل مع الأزمة فيها، والحل هو لا حل لذلك سوى الحفاظ على الأمر الواقع ومحاولة ترسيخه تدريجياً. تركيا تتحدث فقط عن فرضية وقوع كارثة إنسانية في حال شن هجوم عسكري من جانب النظام وحلفائه على المحافظة الشمالية، وهي محقة في ذلك تماماً، ولا تنظر إلى هوية الجماعات المتطرفة الناشطة في المحافظة. أما روسيا فلا زالت تنظر إلى خطر الجماعات الإرهابية في إدلب وتلح بين الحين والآخر على ضرورة توجيه ضربة عسكرية للقضاء على المسلحين المتشددين. أما إيران والنظام السوري، فقد باتا على أهبة الاستعداد لشن هجوم اليوم قبل غد لإنهاء الأوضاع في المحافظة المنتفضة.

ولعل أبرز إنجاز لقمة سوتشي في هذا السياق هو التفاهم على عدم تغيير المواقف مع معرفة أهداف وحجم تحركات كل طرف للطرف الآخر. وربما ساعد ذلك على حلحلة المواقف بمرور الزمن. ويعني ذلك بعبارة واضحة إطالة أمد الأزمة السورية حتى دون قتال وليبقى حلم الكثيرين في عودة السلام إلى وطن مزقته حرب بالوكالة صعب المنال على المنظور القريب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى